د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (16).. الزراعة الممكنة… الأمن الغذائي طريق الاستقلال

رغيف الخبز ليس مجرد سلعة. حبة القمح ليست مجرد محصول. وقطرة الماء ليست مجرد مورد طبيعي. خلف هذه الكلمات البسيطة تختبئ معادلات الأمن القومي، واستقرار الدول، وقدرة الشعوب على الصمود. وحين ننظر إلى تاريخ الأمم ندرك أن كثيرًا من الحروب بدأت من الغذاء، وأن كثيرًا من الأزمات السياسية والاقتصادية كانت في جوهرها أزمات إنتاج زراعي أو سوء إدارة للموارد الطبيعية.
مصر عرفت الزراعة قبل أن تعرف معظم شعوب الأرض معنى الدولة. على ضفاف النيل نشأت واحدة من أقدم الحضارات الزراعية في التاريخ. لم يكن النهر مجرد مصدر للمياه، بل كان مصدرًا للحياة والاقتصاد والاستقرار. ولذلك يبدو مؤلمًا أن تتحول الدولة التي علمت العالم الزراعة إلى واحدة من أكبر الدول المستوردة للغذاء في عدد من السلع الاستراتيجية.
لا يتعلق الأمر بالفخر التاريخي أو الحنين إلى الماضي، بل بحقائق الاقتصاد والأمن القومي. فالدولة التي تستورد جانبًا كبيرًا من غذائها تصبح أكثر عرضة للتقلبات الدولية، وأكثر تأثرًا بالحروب والأزمات، وأكثر تعرضًا لضغوط العملة الأجنبية. وكل سفينة قمح تتأخر في الوصول، وكل ارتفاع عالمي في الأسعار، يتحول مباشرة إلى عبء على الموازنة وعلى المواطن وعلى الاقتصاد كله.
شهد العالم خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الصدمات التي أعادت الاعتبار لفكرة الأمن الغذائي. جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، ثم اضطرابات سلاسل الإمداد الدولية، كشفت أن الاعتماد المفرط على الخارج ليس مجرد خيار اقتصادي، بل مخاطرة استراتيجية. دول كثيرة أعادت النظر في سياساتها الزراعية والغذائية بعد هذه الأزمات، ومصر ليست استثناء.
ما زالت مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، وما زالت تستورد جانبًا مهمًا من احتياجاتها من الزيوت والأعلاف وبعض السلع الغذائية الأساسية. ورغم التحسن الملحوظ في الصادرات الزراعية خلال السنوات الأخيرة، فإن الفجوة بين ما ننتجه وما نستهلكه ما زالت تمثل تحديًا حقيقيًا.
لا تعود المشكلة إلى نقص الأراضي فقط، ولا إلى نقص الخبرة الزراعية، بل إلى مجموعة من المشكلات الهيكلية المتراكمة. من بينها تفتت الحيازات الزراعية، وضعف الاستثمار الزراعي، وتراجع البحث العلمي الزراعي، وغياب سياسات مستقرة لبعض المحاصيل الاستراتيجية، فضلًا عن أزمة المياه التي تفرض نفسها على كل حديث عن مستقبل الزراعة المصرية.
تكشف الدراسات الزراعية أن واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه الريف المصري هي تفتت الملكية الزراعية. ملايين الحائزين يمتلكون مساحات صغيرة للغاية، تجعل من الصعب استخدام التكنولوجيا الحديثة أو تحقيق اقتصاديات الحجم الكبير أو الوصول إلى مستويات مرتفعة من الإنتاجية.
لم تكن هذه المشكلة مطروحة بهذا الحجم قبل عقود، لكن توارث الملكيات وتقسيمها المستمر جعل كثيرًا من الحيازات الزراعية أصغر من أن تكون وحدة اقتصادية قادرة على المنافسة. وهنا تظهر أهمية إعادة الاعتبار للتعاونيات الزراعية الحديثة، ولأشكال جديدة من الشراكة والتجميع الطوعي للحيازات دون المساس بحقوق الملكية.
لا تعني الزراعة الحديثة أن يزرع كل فلاح أرضه منفردًا كما كان الحال قبل قرن. التجارب الناجحة في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية أثبتت أن التعاونيات الذكية قادرة على خفض التكلفة، وتحسين الإنتاجية، وزيادة القدرة التفاوضية للمزارعين، وتسهيل استخدام التكنولوجيا الحديثة.
تبرز هنا قضية البحث العلمي الزراعي. فالدول التي نجحت في مضاعفة إنتاجيتها الزراعية لم تفعل ذلك بزيادة الأراضي فقط، بل بتحسين البذور، وتطوير نظم الري، ومقاومة الأمراض، واستخدام التكنولوجيا الحيوية، وتدريب المزارعين. وقد نجحت مراكز البحوث الزراعية المصرية تاريخيًا في تحقيق إنجازات مهمة، لكنها تحتاج إلى موارد أكبر وربط أوثق بالسياسات الزراعية.
لم يعد مقبولًا أن تظل إنتاجية بعض المحاصيل في مصر أقل من المستويات العالمية الممكنة، بينما يمتلك الباحث المصري خبرة علمية مشهودة. الفجوة هنا ليست في المعرفة، بل في تحويل المعرفة إلى سياسة وإنتاج.
القمح يظل في قلب هذه المعادلة كلها. ليس فقط لأنه السلعة الغذائية الأكثر حساسية في مصر، بل لأنه يمثل رمزًا للعلاقة بين الزراعة والأمن القومي. تحتاج مصر إلى سياسة مستقرة للقمح، تضمن للمزارع سعرًا عادلًا ومعلنًا مسبقًا، وتوفر له مستلزمات الإنتاج، وتشجعه على التوسع دون أن يتحمل وحده مخاطر السوق.
تنطبق الفكرة نفسها على الذرة والحبوب الزيتية والأعلاف. فهذه المحاصيل لا ترتبط بالغذاء البشري فقط، بل ترتبط أيضًا بالإنتاج الحيواني وأسعار اللحوم والدواجن ومنتجات الألبان. وكل نقص فيها يتحول إلى ضغوط إضافية على الاقتصاد وعلى حياة المواطنين.
لا ينبغي أن يقتصر الحديث على الزراعة التقليدية. فالقيمة الحقيقية تكمن في التصنيع الزراعي. كثير من الدول لم تحقق قفزاتها الاقتصادية عبر بيع المحاصيل الخام، بل عبر تحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى. البرتقال ليس مجرد محصول زراعي، بل يمكن أن يصبح عصائر ومركزات غذائية ومنتجات تصديرية. والتمور ليست مجرد ثمار، بل صناعة كاملة. والخضروات والفاكهة يمكن أن تتحول إلى سلاسل إنتاج وتعبئة وتغليف وتصدير.
تعلمت هولندا هذا الدرس حتى أصبحت واحدة من أكبر مصدري المنتجات الزراعية في العالم رغم محدودية مساحتها. لم يكن السر في الأرض وحدها، بل في التكنولوجيا والتصنيع والبحث العلمي وسلاسل القيمة.
تحتاج مصر إلى بناء رؤية مشابهة. فالمزارع وحده لا يستطيع أن يحمل عبء التنمية الزراعية. المطلوب منظومة كاملة تبدأ من البذرة ولا تنتهي عند التصدير.
تبرز كذلك أهمية الثروة الحيوانية والسمكية. فالأمن الغذائي لا يقاس بالقمح وحده. إنتاج اللحوم والألبان والأسماك يمثل جزءًا أساسيًا من الأمن الغذائي الوطني. وكل تقدم في هذه القطاعات ينعكس مباشرة على الأسعار والتغذية والصحة العامة.
شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة توسعًا في مشروعات الاستزراع السمكي والإنتاج الحيواني، لكن التحدي الحقيقي يظل في رفع الكفاءة والإنتاجية وتقليل الاعتماد على الأعلاف المستوردة وتحسين سلاسل التوزيع والتسويق.
لا يمكن الحديث عن مستقبل الزراعة دون الحديث عن المياه. فالنيل الذي صنع الحضارة المصرية يواجه اليوم ضغوطًا غير مسبوقة. النمو السكاني، والتغير المناخي، وأزمة سد النهضة، وتراجع نصيب الفرد من المياه، كلها عوامل تجعل إدارة الموارد المائية واحدة من أهم قضايا المستقبل.
لا يكفي أن نبحث عن مصادر جديدة للمياه، بل يجب أن نحسن استخدام المياه المتاحة. التوسع في الري الحديث، وإعادة استخدام المياه، والاستفادة من المياه الجوفية وفق ضوابط علمية، وتطوير المحاصيل الأقل استهلاكًا للمياه، أصبحت جميعها ضرورات لا خيارات.
تكشف تجارب دول مثل إسرائيل وأستراليا وإسبانيا أن الإدارة الذكية للمياه يمكن أن تعوض جزءًا مهمًا من محدودية الموارد الطبيعية. والمفارقة أن مصر تمتلك من الخبرات العلمية والهندسية ما يسمح لها بتحقيق تقدم كبير في هذا المجال إذا توافرت الرؤية والاستمرارية.
تمثل مشروعات الاستصلاح الزراعي الجديدة فرصة مهمة، لكن نجاحها لا يقاس بعدد الأفدنة المعلنة فقط، بل بقدرتها الفعلية على الإنتاج والاستدامة والعائد الاقتصادي. فالأرض التي لا تنتج ليست إضافة حقيقية للأمن الغذائي مهما







