ذاكرة التاريخ

من ذاكرة التاريخ: محمد علي باشا.. مؤسس نهضة مصر الحديثة وأسرار حياته المثيرة

يعد محمد علي باشا بلا منازع “باني مصر الحديثة”، ورغم أن اليوم (16 يونيو) ليس ذكرى ميلاده أو وفاته، إلا أن مسيرته تظل مرجعاً ملهماً في الإدارة، والتخطيط، ورؤية الدولة. نستعرض في هذا التقرير من ذاكرة التاريخ حقائق مثيرة وأسراراً نادرة عن هذه الشخصية التي غيرت وجه مصر.

النشأة والتحدي: يتيمٌ قاد الأمة

وُلد محمد علي في مدينة “قولة” بمقدونيا عام 1769، في أسرة ذات أصل ألباني. نشأ يتيماً بعد وفاة والدته وهو في السادسة من عمره، وفقد إخوته السبعة عشر في حياة أبيه. عمل في تجارة الدخان مع والده، ولم يحظَ بقسط من التعليم، بل بدأ رحلة تعلم القراءة والكتابة وهو في الخامسة والأربعين من عمره، مما يثبت أن الطموح لا يعترف بالبدايات المتواضعة.

رؤية استباقية لقناة السويس

كان محمد علي أول من تنبأ بمخاطر مشروع قناة السويس، رغم قدرته على تنفيذه. كان يرى فيه “باباً مفتوحاً” لتدخل القوى الأجنبية في شؤون مصر، محولاً إياها من دولة مستقلة إلى مجرد ممر مائي لأطماع القوى الاستعمارية، وهو ما أثبتته الأحداث لاحقاً.

معجزة “أطفال الشوارع”

واجه محمد علي ظاهرة المشردين (الذين قُدر عددهم حينها بنحو 300 ألف) بذكاء إداري عسكري. اعتقلهم في معسكرات قرب الكلية الحربية بأسوان، واستقدم أعظم الخبراء والحرفيين لتدريبهم على مدار 3 سنوات. كانت النتيجة تخريج جيل من الصناع المهرة الذين أقاموا نهضة مصر الصناعية، وأصبحوا خبراء يُستعان بهم في الموانئ والدول المجاورة.

قصة فاكهة “يوسف أفندي”

بعيداً عن السياسة، ارتبط اسمه بقصة طريفة مع “اليوسفي”. عندما عاد بعثاته التعليمية من الخارج، عرض عليه طالب يدعى “يوسف أفندي” فاكهة جلبها من الصين واليابان. سأله الباشا عن اسمها، فأجابه الطالب: “نسميها طوسون باشا” تيمناً بابنه الراحل، لكن محمد علي تواضع وقال: “بل نسميها يوسف أفندي”، فصار الاسم الذي نعرفه اليوم.

الصراع الشخصي والإنساني

  • موقف الزوجة: يُقال إن زوجته “أمينة هانم” استنكرت بشدة مذبحة المماليك عام 1811، لدرجة أنها قاطعت محمد علي طوال حياتها.
  • الشفاعة والمقام: أصر محمد علي على أن يُدفن في القلعة لقربها من مسجد السيدة عائشة، طمعاً في شفاعة آل البيت، خاصة وأنه كان يكنّ حباً عميقاً للسيدة عائشة (حفيدة الإمام الحسين)، وهو ما يفسر الاهتمام الكبير الذي أولته الأسرة العلوية لأضرحة آل البيت في مصر.

الرحيل والزهايمر

في أواخر عمره، أصيب محمد علي بما نعرفه اليوم بـ “الزهايمر” وضعف القوى العقلية. وبناءً عليه، اجتمع ديوان الحكم والعلماء عام 1847 لتعيين ابنه إبراهيم باشا والياً على مصر، الذي رغم حبه للمصريين وحبهم له، لم يدم حكمه سوى 7 أشهر و13 يوماً بسبب وفاته المبكرة.

تظل حياة محمد علي باشا سيرةً تجمع بين القسوة في السياسة، والعبقرية في البناء، والإنسانية في لحظات الضعف، وهي رحلة بدأت من بيع الدخان في “قولة” وانتهت بتأسيس عرش حكم مصر لأكثر من قرن من الزمان.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى