برازيليا تحتضن انتفاضة نساء الكيلومبولا للدفاع عن الأرض وحقوق الملكية المسلوبة

انتهت فعاليات المؤتمر الوطني الثالث لنساء “كوناك” في العاصمة برازيليا بعد 4 أيام من المداولات المكثفة التي كشفت عن حجم التغول على حقوق المجتمعات الأصلية، حيث شاركت أكثر من 600 امرأة من البرازيل ودول مثل هندوراس وكولومبيا والبيرو والأوروغواي وكردستان، لتوحيد صفوفهن في معركة وجودية ضد محاولات الاستيلاء على الأراضي ومواجهة سياسات التهميش الممنهجة التي تعاني منها هذه المجتمعات منذ عقود طويلة في أمريكا اللاتينية.
تطرقت النقاشات التي دارت بين المشاركات إلى قضية الإدارة الذاتية بصفتها السلاح الأخير لحماية الهوية والموارد، وشددت الحاضرات على أن نضال نساء الكيلومبولا يتجاوز حدود المطالب الاقتصادية ليصل إلى مستوى الدفاع عن السيادة على الأرض ضد الشركات والمصالح التي تسعى لنهب خيرات الطبيعة، وجاءت هذه المطالب في توقيت يشهد فيه العالم أزمات مناخية واقتصادية خانقة زادت من حدة الصراع حول حيازة الأراضي وفرص البقاء في المناطق المهمشة التي تسكنها هذه الجماعات.
استعرضت الوفود الدولية تجارب ملهمة في التنظيم المجتمعي، حيث برزت تجربة حركة الحرية في كردستان ونماذج الإدارة الكومينالية كمرجع أساسي في كيفية بناء هياكل نسوية مستقلة قادرة على التحدي، واتفقت المشاركات على أن بناء جسور التضامن العابر للقارات بين حركات النساء في الجنوب العالمي هو الوسيلة الوحيدة لكسر العزلة التي تفرضها القوى المهيمنة على حركات التحرر المحلي، معتبرات أن تبادل الخبرات التعليمية والتدريبية يمثل حجر الزاوية في تحصين هذه المجتمعات.
شهدت وقائع اليوم الثاني من المؤتمر حضور الرئيس البرازيلي الذي اضطر أمام ضغط الحراك النسوي المتصاعد إلى تسليم وثائق الملكية الرسمية لـ 8 مناطق تعود لمجتمعات الكيلومبولا، وهي خطوة وصفها المراقبون بأنها محاولة متأخرة لاحتواء الغضب الشعبي المتنامي، حيث ظلت هذه المجتمعات لسنوات ضحية لعمليات التمييز البنيوي والسطو على أملاكها، وتأتي هذه الوثائق لتؤكد أن الحقوق الجماعية لا يمكن انتزاعها إلا من خلال التنظيم القوي والضغط المستمر على مراكز صنع القرار.
أكدت راشل باروس وزيرة المساواة العرقية في البرازيل خلال كلمتها أن صمود هؤلاء النساء يمثل إلهاما عالميا يتجاوز الجغرافيا، مشيرة إلى أن تحصين المجتمعات المحلية يبدأ من الاستثمار في التعليم والتنظيم الشعبي، ورغم التصريحات الرسمية، تظل الأزمة قائمة في ظل اتساع رقعة النزاعات حول الأراضي وتفاقم التهديدات البيئية التي تستهدف الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها هذه العائلات في كسب قوت يومها وتأمين استقلالها الغذائي.
اختتمت الفعاليات ببيان ختامي صاغ أولويات المرحلة المقبلة التي تتضمن تعزيز النماذج الاقتصادية المستدامة وتطوير سياسات جبر الضرر عن الانتهاكات التاريخية، وأعلنت المشاركات عن خارطة طريق ثلاثية تهدف لتوسيع رقعة التنسيق الدولي بين الحركات النسوية لضمان حماية الأرض والذاكرة الجماعية، وأجمعن على أن توحيد صفوف النساء ذوات الأصول الأفريقية هو الحصن المنيع لمواجهة العنصرية البنيوية التي تعيق تطور المجتمعات المهمشة وتمنع وصولها إلى حقوقها المشروعة في العيش الكريم.
يستمر الترقب في الشارع البرازيلي لما ستسفر عنه هذه الخطوات الميدانية، خاصة وأن التحديات لا تزال قائمة في مواجهة قوى متنفذة لا تتورع عن استخدام كافة الوسائل لإبقاء هذه المجتمعات في دوامة الاحتياج، وتظل قضية الكيلومبولا حاضرة كواحدة من أكثر قضايا العدالة الاجتماعية إلحاحا في العصر الحديث، حيث أثبتت هذه النساء أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على التنظيم الذاتي والتمسك بالأرض رغم كل محاولات الإقصاء والتهميش التي مورست بحقهن عبر الأجيال.







