من ذاكرة التاريخ: رحيل “قديس اليسار” أحمد نبيل الهلالي.. فارس الدفاع عن المظلومين

في تاريخنا المعاصر، تبرز أسماء لم تكن مجرد أصحاب مهن، بل تحولت إلى “مؤسسات أخلاقية” يطمئن لها البسطاء والمقهورون. في هذا السياق، نستعيد سيرة المحامي الراحل أحمد نبيل الهلالي (1922 – 2006)، الذي شكل رحيله في 18 يونيو 2006 نهاية لمسيرة نصف قرن من النضال القانوني والسياسي المخلص. لم يكن الهلالي مجرد محامٍ في مكتبه، بل كان “فارساً” يتنقل بين المحاكم والزنازين وأبواب المطارات دفاعاً عن كل مظلوم، حتى استحق عن جدارة لقب “قديس اليسار المصري”.
مسيرة نضالية لم تعرف المهادنة
وُلد أحمد نبيل الهلالي في 7 أغسطس 1922، ونشأ في بيئة صقلت وعيه الوطني والقانوني. بعد حصوله على ليسانس الحقوق عام 1949، انخرط مبكراً في الحركة الشيوعية المصرية، وتحديداً ضمن كوادر الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني “حدتو”. لم تكن قناعاته الفكرية مجرد نصوص في كتب، بل دفع ثمنها من حريته الشخصية؛ حيث ذاق مرارة الاعتقال في عهد الرئيس جمال عبد الناصر مرتين؛ الأولى عام 1959 لمدة خمس سنوات، والثانية عام 1965 لمدة أربع سنوات، ليخرج بعدها أكثر تمسكاً بمبادئه.
محامي المقهورين: مكتبه كان ملاذاً لا يغلق
لم يكن مكتب “الهلالي” يوماً للربح، بل كان “مقصداً لكل عمال وفلاحي مصر”. كانت بصمته القانونية حاضرة في أهم القضايا العامة التي هزت الرأي العام، ومنها:
- قضايا الحريات: ترافع ببراعة في قضية الحزب الشيوعي المصري عام 1981.
- قضايا العمال والفقراء: سجل مرافعات تاريخية في إضراب السكة الحديد (1986) وقضية حريق قطار الصعيد.
- الدفاع عن الخصوم: في تجسيد حي لعدالة القانون، لم يتردد في الدفاع عن الخصوم السياسيين، ومنهم الدكتور عمر عبد الرحمن، بالإضافة إلى دفاعه عن استقلال القضاء في قضية المستشارين هشام البسطويسي وأحمد مكي.
فكرٌ حاد وقلمٌ لا يلين
لم يكتفِ الهلالي بالمرافعة الشفوية، بل ترك خلفه إرثاً فكرياً يوثق رؤيته، منها كتاب “حرية الفكر والعقيدة.. تلك هي القضية”، وكتاب “اليسار الشيوعي المفترى عليه.. ولعبة خلط الأوراق”، وهي كتب دافع فيها عن تاريخ اليسار وواجه بها محاولات الرجعية المصرية لتشويه الفكر التقدمي.
رحيل الفارس الذي منح الطمأنينة
عندما رحل أحمد نبيل الهلالي في يونيو 2006، عبر الكاتب أحمد الخميسي عن فجيعة جيله قائلاً: “اختفت فكرة الدفاع وفارقتنا الطمأنينة على مصائرنا”. لقد كان الهلالي يمثل “خط الدفاع الأخير” لكل من تعرض للظلم، بقامته الطويلة وصوته النحيف الذي كان يدوي في قاعات المحاكم مطالباً بالإفراج عن “الإنسان”.
رحم الله أحمد نبيل الهلالي، المحامي الذي لم يبحث يوماً عن ثروة أو منصب، بل وجد ثروته الحقيقية في كل مظلوم أعاد له كرامته، وفي كل قضية حق انتصر لها في ساحات العدالة.







