مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب: مصير لبنان عند الحدّ الفاصل بين الاتفاق الشامل ومندرجات التسوية

رغم الخلاصة شبه الأكيدة بأن وقف إطلاق النار في لبنان صيغ في غرف القرار الإيرانية بحرفية شديدة، تبقى الساعات الثماني والأربعون الفاصلة بين الإعلان الرسمي عن الاتفاق الأميركي – الإيراني والتوقيع المرتقب عليه يوم الجمعة المقبلة، مساحة مفتوحة على احتمالات شتى، قد تعيد رسم المشهد اللبناني برمّته.

وفق القراءة الإيرانية، فإن وقف النار لا يكتمل إلا بانسحاب إسرائيلي شامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، بما يعيد تثبيت معادلة أن إسرائيل أخفقت في تحقيق أبرز أهدافها السياسية والعسكرية: فرض ترتيبات أمنية مباشرة مع لبنان تحت وطأة الحرب، بما يشبه التطبيع بالإكراه، أو الوصول إلى تصفية كاملة لحزب الله بوصفه الفاعل العسكري الأكثر تأثيراً في المعادلة اللبنانية.

في المقابل، تبدو المقاربة الإسرائيلية مختلفة جذرياً. فتل أبيب لا تتعامل مع ما جرى باعتباره نهاية للحرب، بل انتقالاً إلى مرحلة جديدة منها. الحديث الإسرائيلي لا يزال يتناول إمكانية استمرار العمليات العسكرية، والإبقاء على أشكال من السيطرة أو القضم التدريجي، سواء في لبنان أو غزة أو سوريا، بما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً في الإقليم، حتى ولو توقفت المعارك الواسعة.

وسط هذا التناقض، يبدو المشهد الإقليمي سوريالياً بامتياز، فيما يتحول الواقع اللبناني إلى ما يشبه الملهاة السوداء. ففي لبنان، لم يعد النصر نصراً كاملاً، كما لم تعد الهزيمة هزيمة مطلقة؛ كلاهما يخضعان لنسبية ميزان القوى الخارجي، فيما يتراجع تأثير الداخل إلى حدوده الدنيا.

المفارقة الأكثر دلالة أن الأميركي غاب عن التواصل المباشر مع قصر بعبدا، بينما حضرت طهران عبر اتصال وزير خارجيتها برئيس الجمهورية، في إشارة سياسية تتجاوز بعدها البروتوكولي، وتعكس طبيعة الأدوار التي تشكلت خلال الحرب وما بعدها.

في الداخل، تبدو الدولة اللبنانية غارقة في أزماتها المزمنة. حكومة مثقلة بالأعباء الاقتصادية والمالية والإدارية، وهموم يومية لا تُعد ولا تُحصى، فيما يطرق بابها تعديل وزاري قد يطال أربعة مقاعد على الأقل، مع ترجيحات باتساع دائرة التغيير تبعاً لموازين القوى الجديدة.

وفي الوقت نفسه، لن يملك اللبنانيون ترف الانتظار طويلاً. فمع مرور ستين يوماً على مهلة الاتفاق، سيدخل البلد عملياً في المناخ الانتخابي، حيث تبدأ الحسابات المحلية بالاختلاط مجدداً بالتوازنات الإقليمية، وتتحول صناديق الاقتراع إلى ساحة اختبار لنتائج الحرب والتسوية معاً.

أما خارجياً، فيبدو أن لبنان بات محكوماً، للمرة الأولى بهذا الوضوح، بتفاهم غير معلن تتقاطع فيه المصالح الأميركية والإيرانية والسعودية والمصرية. ليس تفاهم حب أو تحالف استراتيجي دائم، بل تفاهم إدارة مرحلة ومنع الانفجار الشامل.

وهنا تكمن المعضلة اللبنانية الحقيقية: فإذا نجح الاتفاق الأميركي – الإيراني في التحول إلى تسوية شاملة، قد ينال لبنان فرصة نادرة لالتقاط أنفاسه وإعادة بناء مؤسساته واقتصاده. أما إذا اقتصر الأمر على تفاهم موضعي لإطفاء الجبهات من دون معالجة جذور الصراع، فإن البلاد ستكون أمام هدنة مؤقتة لا أكثر، تعيد إنتاج الأزمة نفسها بأدوات مختلفة.

يقف لبنان اليوم عند الحد الفاصل بين احتمالين متناقضين: دولة تستعيد تدريجياً قرارها ومؤسساتها ضمن مناخ إقليمي أقل توتراً، أو ساحة تبقى رهينة التسويات الخارجية المؤقتة، تنتظر دائماً الجولة التالية من النزاع.

وبين الاتفاق الشامل ومندرجات التسوية، لا يبدو أن اللبنانيين يملكون ترف صناعة مصيرهم وحدهم، بل يكتفون، مرة جديدة، بمحاولة النجاة من خرائط تُرسم فوق رؤوسهم، فيما يواصل وطنهم البحث عن مكان له بين الدول، لا بين ساحات النفوذ.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى