د. أيمن نور يكتب: عام هجري جديد… وكل عام وأنتم بخير

تشرق ذكرى الهجرة النبوية كل عام، فلا تبدو مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل سؤالاً متجدداً يطرحه الزمن على البشر: كيف تنتصر الفكرة وهي مطاردة؟ وكيف يولد الأمل من قلب المحنة؟ وكيف يشق النور طريقه وسط هذا القدر من الظلام؟
لم تكن الهجرة انتقالاً من مدينة إلى أخرى، بل انتقالاً من الاستضعاف إلى القدرة، ومن الخوف إلى الطمأنينة، ومن ضيق الواقع إلى رحابة الرسالة. خرج صاحب الرسالة ﷺ من وطنه مكرهاً، لكنه حمل معه ما هو أبقى من الأوطان وأعظم من الجغرافيا: الإيمان بفكرة عادلة تستحق أن يُضحّى من أجلها.
لهذا بقيت الهجرة حاضرة في وجدان الإنسانية كلها، لأنها لم تكن رحلة هروب، بل رحلة تأسيس. لم تبحث عن مكان آمن فحسب، بل صنعت معنى جديداً للأمن، يقوم على العدل والكرامة والتكافل، ويجعل الإنسان أغلى من الحجر، والحق أعلى من القوة.
أعظم ما تعلمه الأجيال من الهجرة أن الطريق إلى المستقبل لا يُعبّد باليأس، وأن الهزائم المؤقتة لا تصنع نهاية التاريخ، وأن الأمم التي تمتلك رسالة حقيقية قد تتعثر، وقد تتأخر، وقد تدفع أثماناً باهظة، لكنها لا تموت. فالأفكار العظيمة لا تُقاس بعدد ما تواجهه من حصار، بل بقدرتها على البقاء بعد انقضاء الحصار.
ما أكثر ما تتشابه الأزمنة، وما أكثر ما يتكرر المشهد بأسماء مختلفة. أصحاب الحق في كل مكان يدفعون الثمن ذاته، ويواجهون الاتهامات ذاتها، ويتحملون أعباء الطريق نفسه. غير أن دروس الهجرة تهمس في آذان المؤمنين دائماً بأن العبرة ليست بطول الليل، بل بقدرة الفجر على المجيء.
الهجرة في معناها الأعمق ليست ذكرى نحتفل بها، بل قيمة نعيشها. هجرة من الظلم إلى العدل، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الكراهية إلى الرحمة، ومن الاستسلام إلى العمل، ومن عبادة المصالح إلى الانتصار للمبادئ.
ومع مطلع عام هجري جديد، يبقى الرجاء أن تنتصر الإنسانية لقيم الحق والعدل والحرية والرحمة، وأن تدرك الأمم أن القوة قد تفرض أمراً واقعاً لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تمنح الباطل شرعية، ولا أن تحرم الحق من موعده.
وكل عام وأنتم بخير، وكل عام وأمتنا أكثر قدرة على صناعة مستقبل يليق بتاريخها، وأكثر وفاءً لقيمها، وأكثر إيماناً بأن ما يُبنى على الحق يبقى، وأن ما يُبنى على الظلم ينهار، ولو بعد حين.
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الارض







