تشغيل الأطفال في المغرب: صرخة حقوقية ضد استغلال القاصرين وتفشي الفقر

يتصاعد تشغيل الأطفال داخل المغرب بصورة مخيفة تعكس عمق التصدع الاجتماعي واتساع رقعة الفقر في المملكة، حيث يجد آلاف القصر أنفسهم خارج مقاعد الدراسة ومدفوعين قسراً إلى سوق العمل الشاق أو الأنشطة المنزلية غير المهيكلة، ويأتي هذا الواقع المأساوي ليضع ملف استغلال الطفولة مجدداً على طاولة النقاش كأحد أكبر الإخفاقات التي تلاحق سياسات المملكة التي عجزت عن توفير بدائل حقيقية تحمي هذه الفئة الضعيفة من براثن الحاجة والظروف الاقتصادية القاسية التي تفرض عليهم العمل المبكر انتزاعاً من براءتهم.
تؤكد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في بيان أصدرته بتاريخ 17 يونيو 2026 بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة تشغيل الأطفال، أن استمرار هذه الظاهرة ليس خللاً عرضياً بل نتيجة حتمية لبنية اجتماعية واقتصادية تنتج الفقر وتكرس انتشاره دون تدخل جذري يوقف هذا النزيف المستمر. وتنتقد الجمعية بشدة القوانين الوطنية المتعلقة بالعمال المنزليين، مشددة على أنها مليئة بالثغرات التي تشرعن عملياً تشغيل الأطفال داخل المنازل في بيئة مغلقة تستعصي على أي مراقبة رسمية، مما يتيح استمرار الانتهاكات في وضح النهار وتحت غطاء قانوني هش يفرغ النصوص من مضمونها الحمائي.
تعاني آليات التفتيش والمراقبة داخل المغرب من عجز بنيوي واضح، حيث تتغاضى السلطات عن آلاف الحالات الموثقة التي تظل خارج نطاق التتبع، مما يرسخ قناعة لدى الحقوقيين بأن هذا الصمت الرسمي يرقى إلى مستوى التواطؤ غير المعلن، ويوضح الفجوة الكبيرة بين الخطاب الحكومي حول حقوق الطفل وبين الواقع الميداني الذي يغيب فيه الالتزام الفعلي بالاتفاقيات الدولية أو السياسات العمومية المندمجة التي تجعل من حماية الطفولة أولوية وطنية قصوى بدلاً من الاكتفاء بالشعارات الجوفاء التي تتردد في المناسبات دون انعكاس حقيقي على حياة الأطفال.
تتفاقم هذه المعاناة في ظل تدهور الخدمات الاجتماعية واستفحال البطالة التي تدفع الأسر المقهورة إلى الزج بأبنائها في سوق العمل كوسيلة وحيدة للبقاء، والأخطر في هذا المشهد هو حالة التطبيع الاجتماعي والإداري مع ظاهرة تشغيل الأطفال، حيث يتم التعامل معها كأمر واقع لا يستوجب المساءلة، مما يحول مأساة الصغار إلى جزء روتيني من الحياة اليومية في المغرب، في حين تظل النخبة السياسية والاقتصادية بعيدة عن المحاسبة بفضل الحماية التي توفرها لها مؤسسات الدولة التي تحولت إلى دروع لحماية مصالح القلة المتنفذة على حساب الصالح العام.
يؤكد الكاتب المغربي بوشعيب أمين، المقيم بألمانيا، أن سيطرة فئة محدودة على ثروات المملكة ليست مجرد وجهة نظر سياسية، بل حقيقة دامغة تتردد أصداؤها داخل الوطن وخارجه وتؤكدها تقارير وطنية ودولية، حيث راكمت هذه الأقلية نفوذاً سياسياً واقتصادياً هائلاً وحولت مواقع المسؤولية إلى أدوات لحماية المصالح الخاصة، مما أدى إلى انعدام العدالة الاجتماعية وانسداد الأفق أمام المواطنين الذين يشعرون بأن ثروات البلاد أصبحت رهينة في يد أقلية لا تعبأ بمتطلبات التنمية أو حماية الفئات الأكثر هشاشة.
يحذر الكاتب من أن التمركز غير المسبوق للسلطة والنفوذ في يد نخبة محدودة يهدد مستقبل دولة المؤسسات، إذ يلاحظ المغاربة محاولات متكررة لإفراغ الترسانة القانونية من مضمونها الرقابي وتعطيل أي مبادرات تهدف إلى محاصرة الفساد وتضارب المصالح، مشدداً على أن أخطر تهديد يواجه البلاد اليوم هو التطبيع مع الريع والفساد وتآكل الثقة في المؤسسات بشكل قد تكون آثاره أكثر تدميراً من أي أزمات اقتصادية أخرى.
يضيف الكاتب المغربي بوشعيب حمراوي، أن التقارير الميدانية تكشف بوضوح عن أزمة ثقة حادة بين المواطنين والدولة، حيث اتسعت الهوة بين لغة التقارير الرسمية ومرارة الواقع المعاش، إذ لم يعد المواطن ينتظر المزيد من الوعود، بل يطالب بتعليم أفضل وصحة متاحة وفرص عمل عادلة، كما يلفت الكاتب المغربي المقيم بألمانيا، محمد بونوار، إلى التهميش الممنهج الذي تعاني منه ساكنة أعالي الجبال في المغرب، مؤكداً أن الإهمال الذي تعرضت له هذه المناطق لعقود دفع سكانها إلى تنظيم احتجاجات واسعة تعبيراً عن رفضهم للواقع المتردي وغياب العدالة المجالية.







