د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (18).. الزراعة والغذاء والمياه (3).. الفلاح المصري… البطل المنسي

وجوه كثيرة صنعت تاريخ مصر، لكن قليلًا من هذه الوجوه حظي بما يستحقه من إنصاف. وبينما امتلأت الكتب بسير الملوك والقادة والوزراء والجنرالات، ظل بطل حقيقي يقف بعيدًا عن الأضواء، يحمل فوق كتفيه عبء البقاء اليومي لهذا الوطن، ويواصل عمله في صمت نادر لا يعرف الشكوى إلا همسًا.
ذلك البطل هو الفلاح المصري.
الرجل الذي يوقظ الشمس قبل أن تشرق، ويغادر بيته قبل أن تستيقظ المدن، ويعود مع آخر خيوط النهار محملًا بالتعب والأمل معًا.
لم تكن الزراعة في مصر مجرد مهنة.
كانت أسلوب حياة.
وكان الفلاح عبر قرون طويلة هو العمود الفقري للاقتصاد والمجتمع والدولة.
من حقول القمح والقطن والذرة والأرز والخضروات خرج الغذاء الذي أطعم البلاد، ومن عرق الفلاح خرجت الثروة التي قامت عليها صناعات وأسواق ومدن بأكملها.
ومع ذلك ظل نصيب الفلاح من الاهتمام أقل كثيرًا من حجم ما قدمه.
مصر الحديثة مدينة للفلاح أكثر مما تعترف بذلك أحيانًا.
ففي كل أزمة اقتصادية كبرى كانت الأرض الزراعية تمثل شبكة الأمان الأخيرة.
وعندما اهتزت قطاعات كثيرة بقيت الزراعة قادرة على توفير قدر من الاستقرار وفرص العمل والدخل.
وخلال فترات الاضطراب السياسي والاقتصادي حافظ الريف المصري، رغم كل ما تعرض له من ضغوط، على قدر ملحوظ من التماسك الاجتماعي الذي حمى المجتمع من كثير من الانهيارات.
المفارقة المؤلمة أن الرجل الذي يزرع الطعام غالبًا ما يكون أقل المستفيدين من عائداته.
الفلاح يتحمل مخاطر المناخ.
ويتحمل تقلبات الأسعار.
ويتحمل ارتفاع تكلفة البذور والأسمدة والطاقة والنقل.
ويتحمل أحيانًا آثار قرارات لا يشارك في صنعها.
لكن حلقات الوساطة والتجارة والتوزيع تحصل في كثير من الأحيان على نصيب أكبر من القيمة الاقتصادية التي ينتجها.
وهنا يظهر واحد من أوجه الخلل الأساسية في السياسة الزراعية المصرية.
كثير من الفلاحين لم يعودوا قادرين على التخطيط لمواسمهم الزراعية بثقة.
تكلفة الإنتاج ترتفع بسرعة.
أسعار البيع تتغير بصورة يصعب التنبؤ بها.
الإرشاد الزراعي تراجع دوره مقارنة بما كان عليه في مراحل سابقة.
التعاونيات فقدت جزءًا كبيرًا من فعاليتها التاريخية.
أما التمويل الزراعي فأصبح بالنسبة لقطاعات واسعة من صغار المزارعين عبئًا إضافيًا بدل أن يكون أداة دعم وتمكين.
الحديث عن الفلاح المصري ليس حديثًا عن فئة اجتماعية محدودة.
إنه حديث عن ملايين المواطنين الذين يرتبط بهم أمن مصر الغذائي بصورة مباشرة.
وكل سياسة تنجح في تحسين أوضاعهم تنعكس تلقائيًا على الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والتنمية الإقليمية.
وكل سياسة تفشل في ذلك تدفع ثمنها الدولة بأكملها عاجلًا أو آجلًا.
مشكلة الزراعة المصرية ليست فقط في المياه أو الأرض أو التمويل.
المشكلة أيضًا في المكانة الاجتماعية والاقتصادية للفلاح.
فخلال العقود الأخيرة تراجعت جاذبية العمل الزراعي لدى كثير من الشباب.
القرى التي كانت تفخر بأن أبناءها مزارعون أصبحت تدفع أبناءها للبحث عن أي فرصة أخرى خارج الحقول.
والنتيجة أن متوسط أعمار العاملين بالزراعة يرتفع تدريجيًا، بينما تتراجع معدلات دخول الأجيال الجديدة إلى هذا القطاع الحيوي.
إنها ظاهرة لا تبدو خطيرة للوهلة الأولى، لكنها تحمل في داخلها تهديدًا استراتيجيًا طويل الأجل.
دول عديدة أدركت مبكرًا أن حماية الفلاح ليست عملًا اجتماعيًا أو خيريًا.
إنها استثمار اقتصادي مباشر.
الاتحاد الأوروبي يقدم مليارات اليوروهات سنويًا لدعم الزراعة والمزارعين.
الولايات المتحدة تمتلك برامج واسعة للتأمين الزراعي.
اليابان وكوريا الجنوبية وفرنسا وألمانيا لا تنظر إلى الفلاح باعتباره مواطنًا يحتاج إلى المساعدة فقط، بل باعتباره شريكًا في الأمن القومي.
ولهذا تحرص على توفير شبكات حماية اقتصادية وفنية وتشريعية تضمن استمرار الإنتاج الزراعي.
مصر الممكنة تحتاج إلى إعادة الاعتبار للفلاح بوصفه منتجًا لا متلقيًا للدعم فقط.
المطلوب ليس زيادة الإعانات المؤقتة.
بل بناء منظومة جديدة تقوم على العدالة والكفاءة والاستدامة.
منظومة توفر للفلاح معلومات دقيقة عن الأسواق.
وتضمن قدرًا من الاستقرار السعري للمحاصيل الاستراتيجية.
وتتيح له الوصول إلى التمويل بشروط عادلة.
وتعيد بناء منظومة الإرشاد الزراعي على أسس حديثة.
وتوفر مظلات تأمين حقيقية ضد الكوارث الطبيعية والمخاطر المناخية.
التعاونيات الزراعية تستحق بدورها مراجعة جذرية.
ففي كثير من دول العالم تمثل التعاونيات أحد أهم أدوات حماية المزارعين الصغار.
تشتري مستلزمات الإنتاج بأسعار أفضل.
وتتولى التسويق الجماعي.
وتساعد في التصنيع والتصدير.
وتزيد القوة التفاوضية للمزارعين أمام الأسواق والشركات الكبرى.
أما في مصر فقد تراجع دور كثير من التعاونيات بصورة أفقدتها جزءًا من تأثيرها التاريخي.
إحياء هذه المؤسسة يمكن أن يشكل أحد أهم مفاتيح الإصلاح الزراعي خلال العقد القادم.
التعليم الزراعي أيضًا يحتاج إلى ثورة هادئة.
فالعالم الزراعي الذي يتشكل اليوم يختلف جذريًا عن عالم الأمس.
الزراعة الرقمية.
الذكاء الاصطناعي.
الاستشعار عن بعد.
إدارة البيانات الزراعية.
المحاصيل الذكية مناخيًا.
كلها أصبحت أدوات أساسية في الإنتاج الزراعي الحديث.
والفلاح المصري يستحق أن يحصل على المعرفة والتكنولوجيا التي تمكنه من المنافسة في هذا العالم الجديد.
الريف المصري نفسه يحتاج إلى نظرة مختلفة.
فالتنمية الزراعية لا تنفصل عن التنمية الريفية.
الطرق.
الخدمات الصحية.
التعليم.
الإنترنت.
الأنشطة الاقتصادية غير الزراعية.
جودة الحياة.
كلها عناصر تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الريف على الاحتفاظ بأبنائه وجذب الاستثمارات إليه.
ولا يمكن الحديث عن نهضة زراعية حقيقية بينما يظل الريف متأخرًا عن المدن في كثير من المؤشرات الأساسية.
صورة الفلاح في الوجدان الوطني تستحق أن تستعاد أيضًا.
فهذا الرجل لم يكن يومًا عبئًا على الدولة.
بل كان أحد أهم مصادر قوتها.
ولم يكن طالب امتيازات.
بل كان دائمًا طالب فرصة عادلة.
فرصة تسمح له بأن يعيش من عمله بكرامة.
وأن يورث أبناءه أرضًا أكثر إنتاجًا لا أكثر فقرًا.
وأن يشعر بأن الدولة ترى فيه شريكًا في المستقبل لا مجرد رقم في سجلات الإنتاج.
مصر الممكنة تبدأ من إعادة اكتشاف القيمة الحقيقية للفلاح المصري.
فالدول التي تحترم من يزرعون أرضها تستطيع أن تؤمن غذاءها.
والدول التي تؤمن غذاءها تستطيع أن تحمي استقلال قرارها.
والدول التي تحمي استقلال قرارها تصبح أكثر قدرة على صناعة مستقبلها.
لهذا فإن إنصاف الفلاح ليس مطلبًا فئويًا.
إنه أحد شروط النهضة الوطنية نفسها.
الحلقة القادمة:
الرقعة الزراعية ما الذي تبقى منها؟







