السودان يواجه أكبر أزمة نزوح في العالم وسط نقص حاد يهدد حياة الملايين

تفاقمت الأزمة الإنسانية في السودان بصورة غير مسبوقة، مع استمرار الحرب رغم جمود خطوط القتال في بعض المناطق، وتحول البلاد إلى مسرح لأكبر أزمة نزوح في العالم، في ظل وجود أكثر من 14 مليون نازح ولاجئ، ونقص حاد في التمويل والخدمات داخل مخيمات النزوح.
وتؤكد تقديرات أممية أن الحرب دفعت نحو ربع سكان السودان إلى الفرار من منازلهم، فيما لجأ قرابة 5 ملايين سوداني إلى دول مجاورة، بينها مصر وتشاد وجنوب السودان، بينما عاد أكثر من 4 ملايين شخص إلى مناطقهم، بينهم نحو 800 ألف عادوا من دول الجوار، رغم استمرار المخاطر الأمنية وانهيار الخدمات الأساسية.
عودة قسرية بسبب قسوة المخيمات
ترتبط عودة أعداد كبيرة من السودانيين إلى مناطقهم الأصلية، خصوصًا الخرطوم، بتدهور الأوضاع داخل مخيمات النزوح واللجوء، حيث جعل نقص الموارد الحياة غير محتملة لكثير من الأسر.
وتعاني الخرطوم من دمار واسع في البنية التحتية، وانهيار اقتصادي، واستمرار حالة الطوارئ، فضلًا عن صعوبة الحصول على الغذاء والاحتياجات الأساسية، حتى لمن يملكون المال.
ورغم استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في أبريل 2025، وما يمثله ذلك من قيمة رمزية للحكومة، لا تزال المدينة عرضة لهجمات بالطائرات المسيّرة، ولا تزال موجات النزوح الجديدة تتكرر يوميًا.
مساعدات محدودة وسط دمار واسع
تعمل وكالات أممية على دعم العائدين وإعادة تأهيل بعض الخدمات الأساسية، ومنها التعاون في إعادة بناء مستشفيات داخل الخرطوم، غير أن المساعدة لا تقتصر على البنية التحتية، بل تمتد إلى ملفات أكثر تعقيدًا تتعلق بالتعايش الاجتماعي وإعادة دمج النازحين.
وتواجه مناطق العودة توترات مرتبطة بالسكن والأراضي، في ظل فقدان واسع للوثائق الرسمية، بما في ذلك سندات الملكية وجوازات السفر وبطاقات الهوية، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 90% من العائدين فقدوا وثائقهم.
وتعمل الجهات الإنسانية على إعادة إصدار الوثائق الأصلية، في محاولة لتقليل النزاعات وحماية حقوق العائدين.
اعتقالات تعسفية ومخاوف اجتماعية
تزداد التحديات مع عودة نازحين من دارفور إلى الخرطوم، إذ يتعرض بعضهم للاعتقال التعسفي للاشتباه في التعاون مع قوات الدعم السريع.
وتطال هذه الاعتقالات أحيانًا عاملين مرتبطين بجهات أممية، ما يعكس حجم المخاطر التي يمكن أن يواجهها المدنيون العاديون.
وتؤكد المعطيات الإنسانية أن العمل على التسامح والتماسك الاجتماعي سيكون عنصرًا حاسمًا في أي عملية سلام مستقبلية، لأن آثار الحرب لم تعد عسكرية فقط، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي والعلاقات بين السكان.
نقص التمويل يهدد البرامج الإنسانية
تواجه وكالات الإغاثة في السودان أزمة تمويل حادة، مع تراجع مساهمات عدد من المانحين الدوليين، ما يفرض قرارات قاسية، بينها إغلاق مراكز صحية بسبب نقص الأموال.
ويؤثر نقص التمويل بصورة مباشرة على قدرة المنظمات على التعامل مع العنف الجنسي الواسع المرتبط بالنزاع، وعلى توفير الرعاية الصحية الأساسية للنازحين واللاجئين.
وتشير الجهات الإنسانية إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم التمويل، بل بطبيعته أيضًا، إذ إن جزءًا كبيرًا من الأموال يكون موجهًا لبرامج محددة يطلبها المانحون، مثل المراقبة أو تأمين الحدود، بينما تحتاج المنظمات إلى تمويل مرن يسمح لها بالتحرك وفق الأولويات العاجلة.
تحذير من موجات هجرة نحو أوروبا
تتزايد المخاوف من أن يؤدي فشل إعادة تشغيل الاقتصاد السوداني بعد أي وقف محتمل لإطلاق النار إلى موجات هجرة جديدة خارج المنطقة.
وتشير تقديرات أممية إلى أن غياب فرص العمل وفقدان الشباب لمكانتهم داخل المجتمع خلال العامين التاليين لأي هدنة قد يدفع أعدادًا كبيرة من السودانيين إلى التوجه نحو أوروبا.
القتال لم يتوقف فعليًا
رغم جمود بعض الجبهات، لم تتوقف المواجهات فعليًا في السودان، بل توسعت منذ بداية العام في ولايات كردفان الثلاث وسط البلاد.
وتعد الغارات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة من أخطر مظاهر التصعيد، إذ حلت الهجمات المنتظمة بالمسيّرات محل الدبابات، وأصبحت تصيب أهدافًا عسكرية ومدنية بشكل عشوائي.
وتعرضت قوافل إنسانية مؤخرًا للاستهداف في دارفور، في ظل صعوبة تحديد المسؤولين عن هذه الهجمات، لأن طرفي النزاع يستخدمان الطائرات المسيّرة.
دارفور بين الانفتاح النسبي والعوائق الكبيرة
في دارفور، التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، تحاول هذه القوات تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي، ما سمح بهامش أوسع لعمل المنظمات الإنسانية، غير أن العوائق لا تزال كبيرة.
وتستمر المواجهات حتى خلال موسم الأمطار، الذي كان يمثل عادة فترة هدوء نسبي بسبب صعوبة تحريك القوات والمركبات في الطرق الطينية.
وتؤكد المعطيات الإنسانية أن الحل الوحيد القادر على وقف الانهيار هو التوصل إلى وقف إطلاق نار فعلي يتيح إدخال المساعدات، وحماية المدنيين، وبدء عملية سياسية تنهي واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.







