مصر

عبد الرحيم علي يكتب: خيانة المثقفين

عندما نشر الفيلسوف والمفكر الفرنسي “جوليان بِندا” (Julien Benda)
(1867–1956) كتابه “خيانة المثقفين” (La Trahison des Clercs) في عام 1927، لم يكن يكتب نَعْياً عابراً لجيلٍ من الكُتّاب، بل كان يدُقّ ناقوس خطرٍ ظلّ صداه يتردّد حتى يومنا هذا.

كانت أوروبا في تلك الفترة تعيش حقبة ما بين الحربَين، تتلمّس طريقها وسط رُكام القيم المنهارة وصعود الأيديولوجيّات الصاخبة. وفي هذا المناخ المشحون، لاحظ “بِندا” أمراً غريباً: فأولئك المثقفون الذين كان يُفترَض بهم أن يكونوا حُرّاساً للحقيقة، تحوّلوا إلى خُدّامٍ لأجِنداتهم الأيديولوجيّة، ومنظّرين للعصبيّات والشَّلَليّة، ومهندسين لخطابات الكراهية. ومن هذه الملاحظة الذكيّة وُلدت فكرة الخيانة، التي لم تكن خيانةً لوطنٍ أو لجماعة، بل خيانةً لرسالة الفكر ذاته.

وهي خيانةٌ من نوعٍ أرفَع وأخطر: خيانة المثقف لوظيفته التاريخية بوصفه ضميراً مستقلّاً يقف فوق الصراعات وفوق الجماعات وفوق الأحزاب وفوق الأيديولوجيّات، لا داخلهم جميعاً.

كان المثقف في التصوّر الكلاسيكي الذي يدافع عنه “بِندا” كائناً يخدم قِيَماً كونيّةً مجرّدة، تتمثّل في الحقيقة والعدالة والعقل. لم يكن مطلوباً منه أن يعتزل العالم، بل أن يحتفظ بمسافةٍ نقديّة تتيح له أن يقول لحزبه ولجماعته “لا” حين تنحرف، وأن يقول لشِلّته “أنتم مخطئون” حين تضِلّ. هذه المسافة هي جوهر استقلاله، وهي بالضبط ما تخلّى عنه المثقفون حين انخرطوا في معارك الهويّة والأيديولوجيا.

الخيانة عند “بِندا” تبدأ في اللحظة التي يستبدل فيها المثقف سؤال “ما الحقيقة؟” بسؤال “ما الذي يخدم جماعتي؟”. في تلك اللحظة يتوقّف العقل عن كونه أداةً للبحث، ويصبح أداةً للتبرير. وهذا التحوّل الدقيق، الذي قد يبدو بريئاً في بدايته، هو في نظر “بِندا” أصلُ الكارثة.

ذُلّ الانتماء:

ما جعل أطروحة “بِندا” عميقةً هو أنه لم يفسّر هذه الخيانة بالإكراه، بل بالإغراء. فالمثقف نادراً ما يُساق إلى خدمة جماعته مُكرَهاً؛ بل يهرع إليها طوعاً، مدفوعاً بالطموح، أو بالحاجة إلى التأثير، أو بنشوة الانتماء إلى مشروعٍ كبير.

ثمّة لذّةٌ خفيّةٌ في أن يشعر المرء بأنه جزءٌ من تيّارٍ جارف، وأنّ صوته يتضخّم حين يندمج في الجوقة؛ فالاستقلال موحِشٌ ومُكلِف، يتطلّب أن يحتمل المثقف العزلة، وأن يقبل أن يكون منبوذاً من معسكره حين تقتضي الحقيقة ذلك. أما الانخراط فيمنح الدفء والاعتراف والشعور المريح بأنّ المرء “في الجانب الصحيح من التاريخ”. وهكذا تُشترى أرواح المثقفين، لا بالتهديد بل بالتكريم.

وحين يقبل المثقف هذه الصفقة تبدأ تبعيّته الفكريّة بالترسّخ تدريجياً، حتى يفقد القدرة على رؤية الجماعة من خارجها؛ يصبح جزءاً من جهاز إنتاج الخطاب الرسمي، يمنح الاستبداد شرعيّةً ثقافيّة، ويُلبِس العنف ثوب الضرورة، ويحوّل الظلم إلى “حتميّةٍ تاريخية”. وما كان من المفروض أن يكون حارساً، صار هو السجّان دون أن يدري.

انهيار القيم:

الكارثة الكبرى التي يحذّر منها “بِندا” ليست سياسيّةً فحسب، بل معرفيّةٌ وأخلاقيّةٌ في جوهرها. فحين ينحاز المثقف إلى أيديولوجيا بعينها، فإنه لا يغيّر موقفه فقط، بل يعيد تعريف الحقيقة نفسها لصالح جماعته.

تتحوّل قيم العدالة والنزاهة والصدق — من مبادئَ كونيّةٍ مستقلّة — إلى أدواتٍ وظيفيّة؛ فلا يعود “العدل” عدلاً مطلقاً، بل “بما يخدم قضيّتنا”؛ ولا تعود “الحقيقة” حقيقةً موضوعيّة، بل “بما يعزّز سرديّتنا”. وهنا تنزلق المعرفة إلى نسبيّةٍ خطيرة، حيث يصبح كل شيءٍ مشروطاً بالولاء، ويُقاس صدق القول لا بمطابقته للواقع، بل بانتمائه إلى المعسكر الصحيح.

هذا الانزياح يُفرِغ الفكر من معناه؛ فالعقل الذي يبرّر مسبقاً كل ما تفعله جماعته لم يعد عقلاً، بل آلةً للدفاع عن الجماعة والحزب والشِّلّة. والمثقف الذي يعرف نتيجة بحثه قبل أن يُفعّل أدوات البحث العلمي ويجمع مادّته العلميّة، لم يعد باحثاً بل محامياً. وحين يفقد الفكر استقلاله يفقد قيمته كلّها، لأنّ قيمة الفكر لا تكمن فيما يقول، بل في حرّيّته في أن يقول ما لا تحبّ جماعته أن يُقال.

الواقع أنّ أطروحة “بِندا”، رغم مرور ما يقارب القرن على صدورها، لم تكن يوماً أشدّ راهنيّةً ممّا هي عليه الآن. فما حدث بالأمس في نقابة الصحفيّين من تكريم للإخواني الهارب صلاح عبد المقصود، ناهيك اختطاف الجمعية العمومية من قبل شلة بعينها يعرفها القاصي والداني تتصرف وكأنها تمتلك عزبة موروثة وليس نقابة رأي .. يؤكّد أننا نعيش في عصرٍ تحوّل فيه كثيرٌ من حَمَلة الأقلام إلى أبواقٍ للاستقطاب، يصطفّون في معسكراتٍ متقابلة، ويقيسون مواقفهم بميزان الولاء لا بميزان الحقيقة.

في زمن الشبكات الاجتماعيّة صار الإغراء الذي حذّر منه “بِندا” أشدّ فتكاً؛ فالتصفيق فوريّ، والانتماء معلَن، والعزلة أقسى. ويُكافَأ من يقول لجمهوره ما يريد سماعه، ويُعاقَب من يجرؤ على مخالفته. وهكذا تتكاثر القبائل الفكريّة التي تطلب من مثقفيها الولاء لا النقد، والتعبئة لا التساؤل.

ولعلّ الدرس الأبقى من “بِندا” يتركّز في: أنّ استقلال الفكر ليس ترفاً بل شرطُ وجوده؛ فالعقل الذي يفقد حرّيّة مساءلة جماعته الخاصة قبل خصومها يكفّ عن أن يكون عقلاً، ويصير صدىً.

وتظلّ خيانة المثقفين سؤالاً مفتوحاً أكثر منها حكماً مغلقاً؛ فـ“بِندا” لا يقدّم لنا وصفةً جاهزةً للنجاة، ولا يدّعي أنّ الحياد التامّ ممكن. ما يقدّمه هو مرآةٌ يطلب من كل صاحب فكرٍ النظر فيها بصدق، ليسأل نفسه: هل أبحث عن الحقيقة أم أبرّر ما أنتمي إليه؟ هل أحتفظ بحقّي في مخالفة جماعتي أم بِعتُ هذا الحق مقابل دفء الانتماء؟ إنّ قيمة المثقف لا تُقاس بقدرته على الدفاع عن قضيّته — فهذا ما يفعله المحامي والسياسي والداعية — وإنما تُقاس قيمة المثقف بقدرته على نقد جماعته وحزبه وشِلّته حين تُخطئ، وعلى مغادرتها حين تظلم. تلك هي الأمانة التي حذّر “بِندا” من خيانتها، وتلك هي المسافة التي إن فقدها العقل فقد روحه. ويبقى التحدّي قائماً في كل جيل: أن يكون المرء منتمياً دون أن يكون أسيراً، ومنخرطاً دون أن يكون أعمى، حاضراً في معارك زمانه دون أن يفقد البوصلة التي تتجاوزها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى