شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (48).. العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (19).. العدالة: كرامة المواطن قبل هيبة السلطة

كلما تقدمت في العمر، وتراكمت التجارب، وتعددت المواقع التي وقفت فيها بين السياسة والقانون والسجن والبرلمان والمحاماة، ازددت اقتناعًا بأن القيمة الحقيقية لأي نظام عدالة لا تقاس بعدد المحاكم ولا بحجم التشريعات ولا بطول الأحكام، وإنما بالسؤال الأبسط والأعمق معًا: كيف يعامل الإنسان؟

قد تبدو العبارة عاطفية للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تختصر جوهر الفلسفة القانونية الحديثة كلها. فالقانون لم يوجد لحماية النصوص، بل لحماية البشر. والمحاكم لم تُبنَ لتخدم الدولة وحدها، بل لتمنع الدولة من أن تنسى أن من تحكمهم بشر لهم كرامة وحقوق وحدود لا يجوز تجاوزها.

لهذا لم يكن غريبًا أن تبدأ معظم الدساتير الحديثة بالحديث عن الإنسان قبل الحديث عن المؤسسات. فالدولة وسيلة، أما الإنسان فهو الغاية. والسلطة أداة، أما الكرامة الإنسانية فهي القيمة العليا التي من أجلها وجدت السلطة أصلًا.

حين كنت طالبًا بكلية الحقوق، كانت عبارة “الكرامة الإنسانية” تبدو لي أقرب إلى مفهوم فلسفي واسع يصعب الإمساك به. لكن السنوات علمتني أن الكرامة ليست فكرة مجردة. الكرامة هي ما يشعر به المواطن حين يقف أمام موظف الدولة. وهي ما يشعر به المتهم حين يدخل غرفة التحقيق. وهي ما يشعر به السجين حين يطرق باب زنزانته. وهي ما يشعر به الفقير حين يذهب إلى المحكمة طلبًا للإنصاف.

في تلك اللحظات الصغيرة التي لا تظهر في تقارير المؤسسات ولا في نشرات الأخبار تتحدد القيمة الحقيقية للعدالة.

هناك دول تملك محاكم فخمة ومبانٍ ضخمة وقوانين كثيرة، لكنها تفشل في احترام الإنسان. وهناك دول أقل ثراءً وإمكانات، لكنها تنجح في أن تجعل المواطن يشعر أن كرامته مصونة حتى وهو يختلف مع الدولة أو يقف متهمًا أمامها.

الفارق بين النموذجين ليس في حجم الموارد، بل في الفلسفة التي تحكم العلاقة بين السلطة والإنسان.

جزء مهم من أزمة العدالة في عالمنا العربي عمومًا لا يتعلق بنقص النصوص القانونية. فمعظم الدساتير العربية الحديثة تتضمن نصوصًا جيدة عن الحقوق والحريات. المشكلة الحقيقية تبدأ حين تتحول هيبة الدولة إلى قيمة أعلى من كرامة المواطن.

هنا يحدث الخلل.

لأن الدولة وجدت أصلًا لحماية الإنسان، لا ليعيش الإنسان في خدمة هيبة الدولة.

والسلطة وجدت لتنظيم المجتمع، لا ليصبح المجتمع مجرد أداة لإظهار قوة السلطة.

في تجربتي الشخصية، سواء داخل قاعات المحاكم أو خلف أسوار السجون، تعلمت أن كثيرًا من المظالم تبدأ من لحظة ينسى فيها صاحب القرار أن الشخص الذي أمامه إنسان قبل أن يكون متهمًا أو خصمًا أو معارضًا أو سجينًا.

في تلك اللحظة بالذات يبدأ الانحدار الحقيقي.

لأن القانون يستطيع أن يصحح خطأً.

والمحكمة تستطيع أن تلغي قرارًا.

والقاضي يستطيع أن ينصف مظلومًا.

لكن الجرح الذي يصيب كرامة الإنسان يبقى أحيانًا أطول عمرًا من كل هذه الإجراءات.

لهذا السبب كان الفقه الدستوري الحديث شديد الحرص على مفهوم الكرامة الإنسانية.

ففي ألمانيا، بعد تجربة النازية، أصبحت كرامة الإنسان في مقدمة الدستور ذاته.

وفي جنوب أفريقيا، بعد عقود الفصل العنصري، اعتبرت الكرامة الإنسانية حجر الأساس في بناء النظام الدستوري الجديد.

وفي كندا وأوروبا تطورت اجتهادات قضائية واسعة جعلت احترام الكرامة الإنسانية معيارًا لتقييم شرعية كثير من الإجراءات والقوانين.

أما في منطقتنا العربية فما زالت الدولة في كثير من الأحيان تتحدث عن الحقوق أكثر مما تمارسها، وتتحدث عن الكرامة أكثر مما تحميها.

ولهذا فإن إصلاح العدالة في مصر لا يمكن أن يكتمل دون إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة وعظيمة في الوقت نفسه:

الإنسان أولًا.

قبل الإجراءات.

وقبل الملفات.

وقبل الحسابات السياسية.

وقبل اعتبارات الراحة الإدارية.

الإنسان أولًا.

النيابة العامة يجب أن تنظر إلى المتهم باعتباره إنسانًا يتمتع بقرينة البراءة.

والقاضي يجب أن ينظر إلى الخصوم باعتبارهم أصحاب حقوق لا أرقام قضايا.

وإدارة السجن يجب أن تنظر إلى السجين باعتباره مواطنًا فقد حريته لا إنسانيته.

والشرطة يجب أن تنظر إلى المواطن باعتباره صاحب حق لا مشروع متهم.

هذه ليست شعارات حقوقية.

إنها جوهر دولة القانون.

الدولة التي تنجح في احترام الإنسان تصبح أقوى.

والدولة التي تعتمد على الخوف تصبح أكثر هشاشة مهما بدت قوية.

لأن الاحترام يبني الشرعية.

أما الخوف فيبني الصمت فقط.

والصمت لا يدوم.

العدالة التي نبحث عنها في مصر الممكنة ليست عدالة عقابية فقط.

وليست عدالة إجرائية فقط.

إنها عدالة إنسانية.

عدالة تدرك أن الغاية النهائية للقانون ليست معاقبة المذنبين فقط، بل حماية المجتمع من الظلم بكل صوره.

ومن أخطر صور الظلم أن يشعر المواطن أن كرامته أقل قيمة من هيبة السلطة.

مصر الممكنة في عام 2030 تحتاج إلى دولة قوية.

لكن القوة الحقيقية ليست في عدد السجون.

ولا في عدد القوانين.

ولا في عدد الأجهزة.

القوة الحقيقية في أن يشعر المواطن أن الدولة تحترمه.

وأن يشعر المتهم أن له حقوقًا.

وأن يشعر المعارض أن القانون يحميه.

وأن يشعر الفقير أن العدالة ليست للأغنياء فقط.

وأن يشعر الجميع أن الكرامة الإنسانية ليست امتيازًا يمنح للبعض ويحجب عن البعض الآخر.

هناك فقط تصبح العدالة أكثر من مؤسسة.

وتصبح الدولة أكثر من سلطة.

ويصبح القانون أكثر من نص.

ويصبح الوطن مكانًا يشعر فيه الإنسان أن كرامته مصونة لأنه إنسان، لا لأنه قوي أو قريب أو محظوظ.

ذلك هو المعنى الأعمق للعدالة.

وذلك هو الهدف الذي يجب أن نسعى إليه إذا أردنا حقًا أن نبني مصر الممكنة.

الحلقة التالية:

مصر الممكنة 2030 (49)

العدالة في مصر… منهكة أم ممكنة؟ (20)

العدالة والحقيقة…لماذا تخاف الأنظمة من الذاكرة؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى