د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (19).. الزراعة والغذاء والمياه (4).. الرقعة الزراعية… ما الذي تبقى منها؟

ثمة أسئلة تظل تطارد الأمم مهما حاولت تأجيل الإجابة عنها. ومن بين هذه الأسئلة سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه بالغ الخطورة في مضمونه: ماذا يتبقى من الأرض التي تطعم أبناء الوطن؟ كلما تقدمت بي السنوات في العمل العام، وكلما تنقلت بين قرى مصر ومدنها، ازداد يقيني بأن قضية الأرض الزراعية ليست ملفًا زراعيًا فحسب، بل واحدة من أخطر قضايا الأمن القومي المصري.
أتذكر زيارات عديدة إلى قرى عرفتها منذ الثمانينيات. كانت الحقول تمتد على مرمى البصر، وكانت المسافات بين القرى تكشف مساحات واسعة من الخضرة والحياة. عدت إلى بعضها بعد عقود، فوجدت المشهد مختلفًا. كتل خرسانية حلت محل حقول القطن والقمح، وبيوت جديدة قامت فوق أرض كانت حتى الأمس القريب مصدر رزق لأصحابها. لم يكن الأمر مجرد تغير عمراني طبيعي، بل كان تعبيرًا عن تحول أعمق يمس العلاقة بين المصري وأرضه.
مصر ليست دولة تملك وفرة غير محدودة من الأراضي الزراعية. أكثر من خمسة وتسعين في المائة من مساحة البلاد تقع خارج نطاق الزراعة التقليدية. وما تبقى من الوادي والدلتا يمثل في الحقيقة القلب المنتج للحياة الاقتصادية والغذائية. ولهذا فإن خسارة فدان واحد من هذه الأراضي لا تعادل خسارة فدان في أي مكان آخر، لأننا لا نفقد مجرد مساحة من الأرض، بل نفقد موردًا تكونت خصوبته عبر آلاف السنين.
خلال عملي البرلماني كانت قضية التعديات على الأراضي الزراعية تطرح باستمرار داخل اللجان المختصة وفي المناقشات العامة. وكان التركيز ينصب غالبًا على حجم المخالفات وعدد المباني التي أُقيمت فوق الأرض الزراعية. لكن السؤال الذي كنت أراه أكثر أهمية ظل غائبًا في أحيان كثيرة: لماذا وصل الفلاح أصلًا إلى مرحلة يفضل فيها بيع أرضه أو البناء عليها؟ فالأرض التي تمنح صاحبها حياة كريمة لا تحتاج إلى حراسة، أما الأرض التي تتحول إلى عبء اقتصادي فإن صاحبها نفسه قد يصبح أول من يتخلى عنها.
الأرقام المتاحة تكشف جانبًا من حجم المشكلة. فالنمو السكاني المتسارع خلال العقود الماضية أدى إلى تراجع نصيب الفرد من الأرض الزراعية بصورة مستمرة. وبينما كانت الأرض المتاحة للفرد قبل عقود مضت تمثل عدة أضعاف ما هي عليه اليوم، أصبح المصريون مطالبين بإنتاج غذاء أكثر من مساحة أقل، وبموارد مائية أكثر محدودية. وهي معادلة تزداد صعوبة عامًا بعد عام.
لكن البناء على الأراضي الزراعية ليس التهديد الوحيد. هناك خطر آخر أقل ظهورًا وأكثر تعقيدًا، يتمثل في تفتت الحيازات الزراعية. فالأرض التي كانت تدار كوحدة إنتاجية متكاملة أصبحت تنقسم مع الزمن إلى مساحات صغيرة بفعل الميراث. ومع كل جيل جديد تتراجع الجدوى الاقتصادية وتزداد صعوبة استخدام التكنولوجيا الحديثة، ويصبح الإنتاج أقل كفاءة وأكثر تكلفة.
التجارب الدولية التي اطلعت عليها خلال لقاءات ومؤتمرات وزيارات عديدة تؤكد أن حماية الرقعة الزراعية لا تتحقق بالعقوبات وحدها. فرنسا وألمانيا وهولندا لا تعتمد فقط على المنع القانوني، بل على سياسات تجعل الزراعة نشاطًا اقتصاديًا مجديًا. فالفلاح هناك يدافع عن أرضه لأنه يدرك قيمتها الإنتاجية، لا لأنه يخشى العقوبة فقط. وهذه نقطة جوهرية تحتاج مصر إلى استيعابها بعمق.
من هنا أرى أن المعركة الحقيقية ليست ضد المباني المخالفة وحدها، بل ضد تراجع ربحية الزراعة. فإذا أردنا حماية الأرض فعلينا أولًا حماية اقتصاديات الزراعة نفسها. رفع إنتاجية الفدان، وتخفيض تكلفة الإنتاج، وتحسين التسويق الزراعي، وتوسيع التصنيع الزراعي، كلها سياسات تسهم بصورة مباشرة في حماية الرقعة الزراعية أكثر مما تفعل كثير من الإجراءات العقابية.
كما أن مصر تحتاج إلى إعادة النظر في العلاقة بين التخطيط العمراني والتخطيط الزراعي. فالدول الناجحة لا تضع العمران في مواجهة الزراعة، بل تنظم العلاقة بينهما. المدن الجديدة يجب أن تنمو حيثما أمكن بعيدًا عن أكثر الأراضي خصوبة، والتوسع العمراني ينبغي أن يخضع لرؤية طويلة المدى توازن بين احتياجات السكان وحقوق الأجيال القادمة في الغذاء.
ومن المقترحات التي أراها ضرورية إنشاء قاعدة بيانات وطنية محدثة سنويًا للرقعة الزراعية المصرية تعتمد على تقنيات الاستشعار عن بعد وصور الأقمار الصناعية، بحيث يصبح لدى الدولة ولدى الرأي العام صورة دقيقة لما نكسبه وما نفقده من أراضٍ عامًا بعد عام. فالإدارة الرشيدة تبدأ دائمًا بالمعرفة الدقيقة.
كما أقترح إطلاق برنامج وطني لتجميع الحيازات الزراعية الصغيرة في كيانات إنتاجية وتعاونية حديثة، بما يسمح باستخدام التكنولوجيا والميكنة الزراعية بصورة أكثر كفاءة، ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق الملكية الفردية. فقد أثبتت تجارب عديدة أن الزراعة الحديثة تحتاج إلى اقتصاديات حجم لا تستطيع الحيازات شديدة التفتت تحقيقها بمفردها.
مصر الممكنة التي نتطلع إليها عام 2030 ليست مصر التي تبني أكثر فحسب، بل مصر التي تحسن إدارة ما تملكه من موارد. والرقعة الزراعية في مقدمة هذه الموارد. فالأرض التي نفقدها اليوم قد لا نستطيع تعويضها غدًا، أما الأرض التي نحافظ عليها فإنها ستظل تمنح أبناءنا الغذاء والاستقرار والقدرة على الاعتماد على الذات.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم فدانًا تبقى لدينا؟ بل: هل نمتلك الإرادة والرؤية التي تسمح بالحفاظ على ما تبقى؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير شكل مصر التي نريد أن نراها في عام 2030 وما بعده.
الحلقة القادمة:
الأمن الغذائي… من الاستيراد إلى الاكتفاء







