
«أيتها الحلم… ما أتعسني بعيدًا عنك. القصر الذي أعيش فيه أشدُّ وحشةً من كوخ صغير، والمجد الذي يحيط بي ذلٌّ وهوان من دونك. إنني أكره كل شيء حولي لأنني لا أحب سواك…».
كاتب هذه الكلمات لم يكن شاعرًا مجهولًا يبث أشواقه إلى معشوقته، ولم يكن روائيًا ينسج فصلًا من فصول الخيال. كان الذي يكتب رجلًا كان يمكن أن يصبح ملكًا على مصر. رجلًا عُرض عليه العرش فآثر عليه القلب. وأميرًا هزمه الحب… فلم يحاول أن ينتصر عليه.
في تاريخ الملوك والأمراء حكايات لا تُحصى عن رجال ضحّوا بالحب في سبيل السلطة، وباعوا شيئًا من أرواحهم ليشتروا مزيدًا من المُلك.
أما الأمير كمال الدين حسين فقد سلك الدرب المعاكس.
ترك التاج ومضى خلف النداء الخفي الذي كان يسمعه في أعماقه. تخلّى عن الحكم ليحتفظ بحقه في أن يحب. وكأن القدر وضعه أمام السؤال الذي حيّر البشر منذ فجر التاريخ:
أيّهما أبقى… السلطان أم الوجدان؟
وأيهما أصدق… العرش أم القلب؟
فأجاب، لا بالكلمات بل بالحياة كلها: القلب.
كان حفيد محمد علي، وابن السلطان حسين كامل، وأحد أقرب الرجال إلى عرش مصر والسودان. وُلد محاطًا بالألقاب والحاشية والقصور. لكن الأرواح لا تعترف دائمًا بما تعترف به السياسة. فثمة بشر يولدون وفي داخلهم حنين غامض إلى الحرية، ونفور خفي من القيود مهما كانت مطلية بالذهب. وكان كمال الدين واحدًا من هؤلاء.
لم يكن رجل سلطة بالمعنى التقليدي. لم يُعرف عنه الاهتمام بالمناورات، ولا شغف بصراعات القصور.
كان أقرب إلى الرحّالة منه إلى الحاكم،
وأقرب إلى المتأمل منه إلى الأمير.
تستهويه الصحارى أكثر مما تستهويه المكاتب، ويجذبه الأفق المفتوح أكثر مما تجذبه الأسوار العالية. وكان يجد في الصمت ما لا يجده غيره في ضجيج المجالس والاحتفالات.
أحب السفر كما يحب المتصوف الخلوة. قطع صحارى مصر وليبيا والسودان، وجاب آفاقًا بعيدة، وكأن روحه كانت تبحث عن شيء لا تعرف له اسمًا. كان يرى في الرمال كتابًا مفتوحًا، وفي السراب سؤالًا فلسفيًا، وفي الفراغ الممتد حكمةً لا تمنحها المدن المزدحمة. ولعل تلك الرحلات لم تكن مجرد انتقال في الجغرافيا، بل كانت ارتحالًا داخليًا في تضاريس النفس والروح.
لذلك لم يكن غريبًا أن ينجذب إلى التصوف.
ففي سنواته الأخيرة بدا كأنه ينسحب بهدوء من عالم السياسة إلى عالم المعنى. اقترب من الطرق الصوفية، وجالس الدراويش وأهل الذكر، ومال إلى مجالس التأمل والخلوة. وكان قصره في بعض الأوقات أقرب إلى زاوية للعارفين منه إلى مقر لأمير من الأسرة الحاكمة. وكأن الرجل كان يبحث عن مُلك آخر؛ ملك لا تمنحه الجيوش، ولا تصنعه الدساتير، ولا تحرسه البنادق، بل يسكن القلب إذا صفا، وتسكنه الروح إذا تحررت من شهوة السلطان.
وربما لهذا السبب لم يفهم كثيرون قراره. كيف يمكن لرجل يقف على أعتاب العرش أن يدير ظهره له؟ كيف يرفض ما يحلم به آلاف الرجال؟ وكيف يترك سلطة بحجم وطن من أجل امرأة؟ بدت الأسئلة أكبر من الإجابات، وظل السر مدفونًا طويلًا في أدراج الرسائل والذكريات.
ثم خرجت الرسائل إلى النور. رسائل حب كتبها الأمير إلى السيدة الفرنسية «فيال ديمنييه». وهنا بدأ الغموض يتبدد. لم يكن الرجل يعيش أزمة سياسية، بل كان يعيش تجربة عشق استثنائية. كان يكتب إليها كما يكتب المتصوف إلى محبوبه، وكما يكتب الغريب إلى وطنه البعيد، وكما يكتب القلب إلى القلب حين تضيق به الدنيا كلها.
في إحدى رسائله يخبرها أن والده عرض عليه ولاية العهد، ثم يضيف في دهشة ساخرة: «أي سخافة هذه…». عبارة لا يمكن أن تصدر إلا عن رجل كانت موازينه مختلفة. رجل رأى أن ساعة قرب من محبوبته أغلى من سنوات حكم طويلة، وأن دفء المشاعر أسمى من برودة العروش.
وتروي بعض الروايات أن تعلقه بها بلغ حد التهديد بالانتحار إذا فُرض عليه ما يباعد بينه وبينها. كما تشير روايات أخرى إلى أن رحلاته المتكررة إلى أوروبا لم تكن دائمًا رحلات أمير مترف، بل رحلات عاشق يطارد طيف امرأة استوطنت روحه. ومهما اختلفت التفاصيل، تبقى الحقيقة الأهم أن الأمير دفع ثمن اختياره كاملًا. لم ينل الحب كاملًا، ولم ينل العرش كاملًا، لكنه بقي وفيًا لما اختاره. وذلك في ذاته نوع نادر من الشجاعة.
الغريب أن التاريخ يتذكر غالبًا الملوك الذين جلسوا على العروش، أما الذين رفضوها طوعًا فيمر عليهم سريعًا، مع أن هؤلاء أكثر إثارة للتأمل. فالذي يقبل السلطة أمر مفهوم، أما الذي يتركها بإرادته فاستثناء نادر في تاريخ البشر.
لم يكن كمال الدين حسين زاهدًا في الدنيا كلها، لكنه كان زاهدًا في السلطان. وهناك فرق كبير بين الأمرين. فالزهد الحقيقي ليس أن تترك ما لا تملك، بل أن تترك ما تستطيع امتلاكه. وهو كان قادرًا أن يصبح ملكًا، لكنه اختار أن يبقى إنسانًا.
وحين اقتربت رحلته الأخيرة من نهايتها، لم يشأ أن يكون مثواه بين أصحاب الجاه والسلطان. أراد أن يُدفن بالقرب من الدراويش عند سفوح المقطم. وكأن الرجل الذي وُلد أميرًا أراد أن يغادر الدنيا فقيرًا إلى الله، متخففًا من الألقاب، متحررًا من الأثقال، عائدًا إلى التراب الذي يتساوى فوقه الملوك والفقراء.
لم يترك وراءه مملكة، ولم يترك وريثًا يجلس على عرش، لكنه ترك سؤالًا لا يزال حيًا حتى اليوم: كم من البشر يحلمون بالسلطة؟ وكم منهم يملكون شجاعة التخلي عنها؟
وربما لهذا لا أتذكر الأمير كمال الدين حسين باعتباره الرجل الذي ضاع منه العرش، بل باعتباره الرجل الذي انتصر على إغراء العرش. الرجل الذي اختار الوجد على المجد، والروح على السلطان، والحب على الحكم. وتلك… في بعض الأحيان… أعظم من المُلك نفسه.







