أخبار العالمحوادث وقضاياملفات وتقارير

محكمة جنايات قم الإيرانية تصدر أحكاما قاسية ضد المغنية باراستو أحمدي بسبب حفل غنائي

تصاعدت وتيرة الملاحقات القضائية التي تستهدف المبدعين في إيران، حيث أصدرت محكمة جنايات مدينة قم حكماً قضائياً مشدداً بحق المغنية والمخرجة الموسيقية باراستو أحمدي، تضمن تنفيذ عقوبة الجلد 74 جلدة، بالإضافة إلى فرض قيود مشددة تشمل حظر التجول لمدة عامين ومنعها التام من مزاولة أي نشاط فني خلال تلك الفترة، وذلك على خلفية مشاركتها في حفل غنائي افتراضي أقيم بمدينة قم دون الالتزام بقواعد الحجاب الإلزامية التي تفرضها السلطات في البلاد، مما أثار موجة غضب واسعة حول الحريات الفنية.

تستند القضية إلى اتهامات رسمية وجهتها السلطات القضائية لباراستو أحمدي وثمانية من الموسيقيين والمشاركين معها في ما عرف بـ “حفل كارافانسيراي”، حيث تضمنت لائحة الاتهام بنوداً تتعلق بما أسمته المحكمة “الإخلال بالآداب العامة عبر إنتاج ونشر محتوى مبتذل وغير أخلاقي في الفضاء الإلكتروني”، ورغم تقديم الدفاع لمرافعاتهم القانونية، إلا أن رئيس فرع التحقيق رفض كافة الدفوع وأصر على إصدار حكم الإدانة الذي يمثل حلقة جديدة في سلسلة التضييق على الفن والموسيقى.

تعود جذور الواقعة إلى شهر ديسمبر 2024، حين انتشر مقطع فيديو يوثق أداءً غنائياً لباراستو أحمدي في حفل افتراضي حظي بمتابعة ضخمة وتفاعل واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وقد أثار ظهور الفنانة دون حجاب أثناء الغناء على المسرح استنفاراً أمنياً فورياً، حيث قامت قوات الأمن الإيرانية باعتقال المغنية وجميع المشاركين في الحفل بعد يوم واحد فقط من تداول الفيديو، قبل أن يتم الإفراج عنهم لاحقاً بكفالة مالية ضخمة بانتظار المحاكمة التي انتهت بصدور هذه العقوبات القاسية.

تأتي هذه الإجراءات في سياق سياسة أكثر تشدداً تتبعها السلطات الإيرانية تجاه الأعمال الإبداعية، حيث تتوسع رقعة الرقابة لتشمل منع العروض والمعارض الفنية، واستدعاء الفنانين للتحقيقات الأمنية بشكل دوري، مما يضع مستقبل التعبير الثقافي والفني في البلاد أمام تحديات خطيرة، ويثير مخاوف المراقبين من أن تصبح المنصات الافتراضية ساحة لملاحقات قانونية بدلاً من أن تكون متنفساً للإبداع، خاصة مع استهداف المبدعين الذين يتبنون مواقف فنية تتحدى المعايير التقليدية المفروضة.

تمتلك باراستو أحمدي البالغة من العمر 29 عاماً مسيرة فنية لافتة، فهي من مواليد مدينة نوشهر عام 1997، وتخرجت في جامعة سورا، ولم تكن هذه الأزمة هي الأولى في مسيرتها المهنية، فقد اشتهرت بدعمها الصريح للانتفاضة الشعبية التي اندلعت في إيران خلال عام 2022، حيث قامت آنذاك بإنشاد أغنية “من دماء شباب الوطن” للشاعر عارف قزويني، وهو الموقف الذي وضعها تحت مجهر الرقابة الأمنية منذ ذلك الحين، لتتوالى بعدها الضغوط حتى وصلت إلى صدور الحكم الأخير بالجلد والحظر الفني.

تؤكد هذه القضية عمق الفجوة بين الأجيال الشابة في إيران وبين المنظومة الرقابية الصارمة التي لا تزال تفرض قيوداً حديدية على السلوك الفني والاجتماعي، فبينما تسعى باراستو أحمدي وزملائها لاستكشاف آفاق جديدة للفن الرقمي وكسر القوالب الجامدة، ترد السلطات بأحكام قضائية قاسية تهدف إلى ترهيب المجتمع الفني وإخماد أي صوت يحاول التغريد خارج السرب، مما يعكس تحولاً جذرياً في التعامل مع المبدعين الذين يطالبون بحرية التعبير في الفضاء العام والافتراضي.

يواجه الوسط الفني الإيراني حالياً حالة من الترقب والحذر الشديد، خاصة بعد استهداف باراستو أحمدي التي تعد رمزاً للجيل الجديد من الفنانين الباحثين عن التغيير، ويبدو أن السلطات القضائية في مدينة قم ماضية في نهجها التصعيدي، مما يثير تساؤلات حول مدى استمرارية هذه العقوبات في كبح الطموحات الإبداعية، أم أنها ستكون سبباً في تعزيز التضامن مع الفنانين الذين يواجهون تبعات خياراتهم الفنية بجرأة رغم كل التهديدات والعقوبات القانونية التي تفرض عليهم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى