جدل دستوري يكشف عيوب تشريعية في تنظيم مهنة العدول بالمغرب

يشهد المشهد القانوني في المملكة المغربية حالة من الترقب بعد قرار المحكمة الدستورية الذي وضع حدا لتجاوزات قانونية في مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، حيث جاء القرار ليؤكد عدم دستورية مواد جوهرية في المشروع، وهو الأمر الذي سلط الضوء على وجود اختلالات عميقة تعيق تحديث هذا القطاع الحيوي وتعرقل مسار المساواة الحقيقية بين الجنسين داخل المؤسسات التوثيقية والشرعية التي ظلت لعقود طويلة حبيسة ممارسات إقصائية ضيقة.
قضت المحكمة الدستورية في المملكة المغربية بتاريخ 15 يونيو عام 2026 بعدم دستورية المواد 8 والبند الأول من المادة 67 من مشروع القانون المذكور، معتبرة أن الصيغ التي تضمنها المشروع تفتقر إلى الوضوح اللازم وتفتح أبوابا واسعة لتأويلات قد تهدد الأمن القانوني، كما نبهت المحكمة إلى أن المشروع أغفل ضمانات حيوية لاستمرارية المرفق العام التوثيقي، مما يكشف عن قصور في الرؤية التشريعية التي سعت إلى فرض قيود غير مبررة بدلا من تعزيز كفاءة المنظومة القانونية.
يعتبر دخول النساء إلى مهنة العدول منذ عام 2018 محطة مفصلية واجهت فيها الممارسات تحديات جسيمة، حيث تؤكد دليلة مساعد التي انتمت لأول فوج نسائي أن المسألة تجاوزت مجرد التحدي المهني إلى محاولة تثبيت الأهلية في قطاع كان يرفض الاعتراف بقدرة المرأة، وتضيف دليلة مساعد أن الصدمة التي خلفها مشروع القانون الجديد نابعة من كونه جاء مخيبا لآمال المهنيين الذين كانوا يتطلعون إلى إصلاح متوازن ينهي التفاوتات الصارخة ويمنح العدول أدوات قانونية فعلية تحفظ الأموال وتضمن شفافية المعاملات.
يؤكد المتتبعون أن النقاش الدائر حاليا يتجاوز الجانب الإجرائي ليطرح علامات استفهام كبرى حول مدى التزام القطاع بالمقتضيات الدستورية الواردة في الفصل 19 من دستور المملكة المغربية، حيث توضح الناشطة الحقوقية بشرى عبدو رئيسة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة أن الصيغ التي تضمنها المشروع لا تحسم بشكل نهائي مسألة المساواة بين الجنسين، مما يبقي الباب مفتوحا لاستمرار القيود التي تحرم النساء من ممارسة اختصاصات كاملة في التوثيق الشرعي وتحرير العقود، وهو وضع يعكس تراجعا عن مبادئ المناصفة التي تتبناها الدولة رسميا.
تستمر التساؤلات حول تعمد واضعي مشروع القانون وضع شروط تعجيزية للترشح لمناصب المسؤولية المهنية، وهو ما تراه الأوساط الحقوقية استراتيجية مقصودة لمنع وصول الكفاءات النسائية إلى مراكز صنع القرار داخل الهياكل المهنية، معتبرة أن هذه الممارسات لا تعدو كونها عرقلة ممنهجة تهدف إلى الإبقاء على هيمنة ذكورية قديمة تحت غطاء تحديث المهنة ومواكبة التحول الرقمي الذي تروج له وزارة العدل في خطاباتها الرسمية بينما تغيب آثاره عن النصوص القانونية.
يؤكد خبراء القانون أن مراجعة قانون تنظيم مهنة العدول كانت فرصة تاريخية ضائعة لترجمة المبادئ الدستورية إلى نصوص قانونية قوية، إلا أن تهاون الجهات المعنية في صياغة نصوص دقيقة أدى إلى تدخل المحكمة الدستورية لتصحيح المسار، وهو ما يفرض الآن ضرورة إعادة النظر في شروط الولوج والتدريب والممارسة المهنية لضمان أن يكون التوثيق الشرعي مرآة تعكس قيم المساواة والعدالة التي ينص عليها دستور المملكة المغربية، بدلا من أن يظل ساحة للصراعات القانونية والتمييز المستتر.
يشير المراقبون إلى أن المرحلة القادمة تتطلب حوارا وطنيا شاملا يضع مصلحة المرتفقين والأمن القانوني فوق كل اعتبار، بعيدا عن الحسابات الضيقة التي تحاول الالتفاف على الحقوق المكتسبة للمرأة المغربية، فالتحديث الحقيقي لا يتم عبر القشور الرقمية بل من خلال إرساء قواعد قانونية صلبة تعترف للجميع بنفس الحقوق والمسؤوليات، وتضمن أن يكون العدول، نساء ورجالا، فاعلين حقيقيين في حماية الحقوق وتثبيت الاستقرار الاجتماعي في كافة أرجاء المملكة المغربية.







