
«إسرائيل وتحولات النظام الدولي: هل يقترب الكيان من فقدان مبررات بقائه الاستراتيجية؟»
يمكن النظر إلى
المسار الذي تسلكه إسرائيل اليوم باعتباره مساراً قد يقود، على المدى البعيد، إلى وضع تصبح فيه مسألة استمرارها بصيغتها الحالية موضع مراجعة دولية واسعة، وربما إلى ترتيبات دولية جديدة تنهي الشكل الذي قام عليه الكيان منذ تأسيسه. ويستند هذا التصور إلى مجموعة من العوامل والتطورات الاستراتيجية التي يرى بعض المراقبين أنها بدأت تتراكم بصورة متسارعة خلال السنوات الأخيرة.
أحد أهم هذه العوامل يتمثل في التحولات التي طرأت على البيئة الدولية التي ساهمت أصلاً في نشوء إسرائيل. فقيام الدولة العبرية لم يكن نتيجة تعاطف إنساني مجرد أو حب خاص لليهود كما يُصوَّر أحياناً، بل جاء ضمن سياق توازنات ومصالح دولية معقدة ارتبطت بمصالح القوى الكبرى في تلك المرحلة التاريخية. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار المشروع الصهيوني جزءاً من ترتيبات جيوسياسية هدفت إلى إنشاء قاعدة متقدمة للقوى الغربية في قلب المنطقة العربية والإسلامية، بما يسمح باستخدامها كرأس حربة متقدم لتحقيق أهداف استراتيجية يصعب على تلك القوى تحقيقها بصورة مباشرة.
ووفق هذا التصور، فإن اختيار فلسطين لم يكن بالضرورة تعبيراً عن حرص القوى الكبرى على أمن اليهود أو رفاههم، إذ لو كان ذلك هو الهدف الوحيد لكان من الممكن البحث عن حلول أخرى داخل أوروبا نفسها. بل إن وضعهم في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وصراعاً حمل في طياته مخاطر دائمة جعلت وجودهم مرتبطاً باستمرار الدعم الخارجي والتفوق العسكري.
لقد كانت الفكرة الأساسية آنذاك تقوم على إنشاء كيان يؤدي أدواراً استراتيجية تخدم مصالح القوى الكبرى. فإذا نجح في تحقيق هذه الأهداف كان ذلك مكسباً لتلك القوى، وإذا تعرض للفشل أو الاستنزاف فإن الخسائر المباشرة عليها تبقى محدودة مقارنة بما لو اضطرت إلى التدخل بنفسها. وبعبارة أخرى، كانت إسرائيل تؤدي وظيفة جيوسياسية تتجاوز حدودها الجغرافية والديموغرافية.
غير أن المشكلة التي تواجه إسرائيل اليوم، بحسب هذا التحليل، تكمن في أن البيئة الدولية التي دعمت وجودها لعقود طويلة لم تعد كما كانت. فأوروبا، التي شكلت تاريخياً أحد أهم مصادر الدعم السياسي لها، باتت تنظر بصورة متزايدة إلى مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية مع العالم الإسلامي والعربي بوصفها أكثر أهمية على المدى الطويل من العلاقة مع دولة صغيرة الحجم من الناحية الجغرافية والديموغرافية.
أما روسيا المعاصرة بقيادة فلاديمير بوتين، فهي تختلف جذرياً عن الاتحاد السوفيتي السابق في رؤيتها للمنطقة. فبينما تعامل السوفييت مع إسرائيل كأداة ضمن توازنات الحرب الباردة دون أن يكون هدفهم القضاء عليها، تنظر موسكو الحالية إلى كثير من البنى التي نشأت في ظل الهيمنة الغربية باعتبارها عقبات أمام بناء نظام دولي متعدد الأقطاب، حتى وإن كانت التصريحات الرسمية الروسية تتسم أحياناً بالمرونة والمناورة السياسية.
وفي المقابل، تتبنى الصين مواقف أكثر قرباً من الرواية المناهضة للسياسات الإسرائيلية، وتدفع بصورة متزايدة نحو نظام دولي يقل فيه النفوذ الغربي التقليدي، وهو ما ينعكس على طبيعة اصطفافاتها السياسية والدبلوماسية.
ويبقى العامل الحاسم في هذه المعادلة هو الولايات المتحدة، التي ما زالت تمثل الضامن الأساسي لاستمرار التفوق الإسرائيلي. غير أن التحولات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الأمريكي بدأت، وفق هذا الرأي، تؤدي إلى تراجع مستوى التأييد الشعبي التقليدي لإسرائيل، وتحويل دعمها إلى قضية أكثر إثارة للجدل داخل الساحة السياسية الأمريكية. ومع استمرار هذه الاتجاهات، قد تجد الإدارات الأمريكية المقبلة نفسها أمام معادلات أكثر تعقيداً فيما يتعلق بكلفة الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الممنوح لإسرائيل.
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الحلقة الأخيرة في سلسلة التحولات الدولية المتعلقة بمستقبل إسرائيل. فإذا وصلت واشنطن في مرحلة ما إلى قناعة بأن تكلفة الحفاظ على الوضع القائم أصبحت أعلى من العائد الاستراتيجي المتحقق منه، فإن الأولوية ستُمنح بطبيعة الحال للمصالح الأمريكية الكبرى وليس لاستمرار أي حليف خارجي مهما بلغت أهمية العلاقة معه.
وفي مثل هذا السيناريو، لن يكون أي تحول جذري ناتجاً عن قرار مفاجئ أو وثيقة سياسية منفردة، بل سيكون نتيجة تراكم طويل من المتغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية والديموغرافية التي تؤدي في النهاية إلى إعادة صياغة الواقع القائم بصورة مختلفة تماماً عما هو عليه اليوم.
ورغم أن كثيرين داخل إسرائيل وخارجها قد يرون هذا الطرح بعيد الاحتمال أو غير واقعي في الوقت الراهن، فإن التاريخ السياسي مليء بأمثلة لكيانات وتحالفات كانت تبدو راسخة وغير قابلة للتغيير قبل أن تتعرض لتحولات سريعة عندما فقدت الوظيفة أو المبرر الاستراتيجي الذي قام عليه وجودها. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بحالات حديثة في المنطقة كانت تبدو قبل سنوات قليلة محصنة بدعم دولي واسع، ثم دخلت في مسارات تفكك أو إعادة هيكلة سريعة بمجرد تغير الظروف التي منحتها أسباب البقاء والاستمرار.
وبناءً على ذلك، يرى هذا الاتجاه أن استمرار إسرائيل في السياسات والاستراتيجيات الحالية قد يدفعها تدريجياً نحو مسار تصبح فيه معزولة دولياً بصورة متزايدة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تحولات تاريخية عميقة في شكل النظام الإقليمي وطبيعة الكيان الإسرائيلي نفسه خلال العقود المقبلة.







