د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (20).. الزراعة والغذاء والمياه (5).. الأمن الغذائي… من الاستيراد إلى الاكتفاء

من بين الملفات التي تغيرت نظرتي إليها مع مرور السنوات، يظل ملف الأمن الغذائي واحدًا من أكثرها أهمية. في بدايات العمل العام كان الحديث عن الغذاء يُدرج غالبًا ضمن الملفات الزراعية أو الاقتصادية. أما اليوم، وبعد ما شهده العالم من أزمات متلاحقة، بات واضحًا أن الأمن الغذائي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري، ولا يبتعد كثيرًا عن مفهوم السيادة الوطنية نفسه.
خلال العقود الأخيرة اعتاد العالم على وفرة نسبية في الغذاء وسهولة انتقاله بين الدول والقارات. لكن السنوات القليلة الماضية كشفت هشاشة هذه الفرضية. جائحة عالمية أغلقت الحدود وأربكت سلاسل الإمداد. حرب في منطقة بعيدة رفعت أسعار القمح والزيوت في عشرات الدول. اضطرابات مناخية ضربت محاصيل أساسية في قارات مختلفة. وفجأة اكتشفت حكومات كثيرة أن امتلاك المال لا يكفي دائمًا للحصول على الغذاء إذا تعطل الإنتاج أو النقل أو التجارة.
أتذكر أن قضية الأمن الغذائي كانت حاضرة في كثير من النقاشات البرلمانية والاقتصادية التي شاركت فيها على امتداد سنوات طويلة، لكنها كانت غالبًا تُناقش بوصفها قضية إنتاج زراعي أو دعم تمويني. أما اليوم فقد أصبحت القضية أوسع من ذلك بكثير. نحن نتحدث عن قدرة دولة يزيد سكانها على مائة مليون نسمة على تأمين احتياجاتها الأساسية في عالم يزداد اضطرابًا وتعقيدًا.
مصر ليست دولة فقيرة زراعيًا، لكنها ليست دولة زراعية مكتفية بذاتها أيضًا. هذه الحقيقة يجب أن تكون نقطة البداية لأي نقاش جاد. فلدينا خبرة تاريخية عريقة، وأراضٍ منتجة، ومزارعون أكفاء، وموقع جغرافي استثنائي، لكن لدينا أيضًا تحديات تتعلق بالمياه والزيادة السكانية وتآكل الرقعة الزراعية وأنماط الاستهلاك وسلاسل التوريد.
وحين نتحدث عن الأمن الغذائي لا ينبغي أن نقع في فخ الشعارات. فليس المقصود أن تنتج مصر كل ما تستهلكه بصورة مطلقة، فهذا ليس ممكنًا ولا مطلوبًا في الاقتصاد الحديث. حتى الدول الكبرى تستورد جزءًا من احتياجاتها. المقصود هو بناء درجة معقولة من الاكتفاء والأمان تسمح للدولة بالصمود أمام الأزمات، وتقلل من تعرضها للصدمات الخارجية.
القمح يقدم المثال الأكثر وضوحًا. فهذه السلعة ليست مجرد محصول زراعي، بل عنصر استقرار اجتماعي واقتصادي وسياسي. وكل أزمة عالمية في إنتاج أو تجارة القمح تنعكس مباشرة على حياة ملايين الأسر. ولهذا فإن قضية القمح يجب أن تظل أولوية استراتيجية، ليس فقط من خلال زيادة المساحات المزروعة، بل عبر تحسين إنتاجية الفدان وتقليل الفاقد وتطوير نظم التخزين.
خلال زيارات متعددة لعدد من الدول الزراعية لاحظت أن النجاح لم يكن مرتبطًا فقط بكمية الأراضي المتاحة، بل بكمية المعرفة المستثمرة في كل فدان. هناك دول تنتج من الهكتار الواحد أضعاف ما ينتجه غيرها رغم تشابه الظروف الطبيعية. والسبب ليس السحر، بل البحث العلمي والإدارة والتكنولوجيا والسياسات الزراعية المستقرة.
الأمن الغذائي يبدأ من الحقل، لكنه لا ينتهي عنده. جزء كبير من المشكلة يكمن أحيانًا في الطريق بين المزرعة والمستهلك. كم من محصول يفقد أثناء الحصاد أو النقل أو التخزين؟ كم من إنتاج يضيع بسبب ضعف التسويق؟ كم من قيمة اقتصادية نهدرها لأننا لا نملك ما يكفي من الصناعات الغذائية والتبريد وسلاسل الإمداد الحديثة؟
بعض الدراسات تشير إلى أن نسب الفاقد في بعض المحاصيل الزراعية والغذائية في الدول النامية قد تصل إلى مستويات مرتفعة تكفي وحدها لإطعام ملايين البشر. وهذا يعني أن جزءًا مهمًا من معركة الأمن الغذائي لا يحتاج إلى فدان جديد بقدر ما يحتاج إلى إدارة أفضل لما ننتجه بالفعل.
كما أن الأمن الغذائي لا يرتبط بالحبوب وحدها. فالفجوة الغذائية تشمل الزيوت النباتية والأعلاف وبعض المنتجات البروتينية ومكونات أساسية أخرى. وهنا تظهر أهمية إعادة النظر في الخريطة المحصولية المصرية، وتشجيع التوسع في المحاصيل التي تسهم في تقليل الاعتماد على الواردات، مع مراعاة الاعتبارات المائية والاقتصادية.
من واقع الخبرة السياسية أعتقد أن أحد الأخطاء المتكررة كان التعامل مع ملف الغذاء بصورة مجزأة. وزارة تنظر إلى الإنتاج، وأخرى تنظر إلى التجارة، وثالثة تهتم بالدعم، ورابعة بالاستيراد. بينما المطلوب هو رؤية موحدة تنظر إلى الغذاء باعتباره قضية أمن قومي تتجاوز الحدود التقليدية بين الوزارات والمؤسسات.
ولهذا أرى أن مصر تحتاج إلى مجلس أعلى للأمن الغذائي يضم ممثلين عن الزراعة والري والصناعة والتجارة والبحث العلمي والقطاع الخاص. مجلس لا يكتفي بإدارة الأزمات عند وقوعها، بل يتابع المؤشرات العالمية والمحلية ويضع سيناريوهات مستقبلية ويتخذ قرارات استباقية.
كما أقترح إنشاء احتياطي استراتيجي متعدد السلع، لا يقتصر على القمح وحده. فالعالم يتغير بسرعة، والأزمات لم تعد استثناءً بل أصبحت جزءًا من المشهد الدولي. والاحتياطي الذكي لا يعني تخزين كميات ضخمة فقط، بل يعني أيضًا تنويع مصادر الاستيراد، وتحسين القدرة اللوجستية، وتعزيز الإنتاج المحلي حيثما أمكن.
قضية أخرى لا تقل أهمية هي البحث العلمي الزراعي. فالمعركة الحقيقية في العقود القادمة لن تكون على مساحة الأرض فقط، بل على إنتاجية الأرض. ولن تكون على كمية المياه فقط، بل على كفاءة استخدامها. ولهذا فإن الاستثمار في البذور المحسنة والتقنيات الحديثة والزراعة الذكية قد يكون أكثر تأثيرًا من كثير من الاستثمارات التقليدية.
كما أن التعليم الزراعي يحتاج إلى إعادة بناء شاملة. فالفلاح في القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى معرفة مختلفة عما كان يحتاجه قبل خمسين عامًا. والزراعة الحديثة أصبحت تعتمد على البيانات والتكنولوجيا والمعلومات بقدر اعتمادها على الخبرة المتوارثة.
ومن بين المقترحات التي أراها ضرورية أيضًا إطلاق برنامج وطني للحد من الفاقد الغذائي، يبدأ من الحقل ولا ينتهي عند مائدة المستهلك. تحسين التخزين، وتطوير النقل المبرد، وتوسيع الصناعات الغذائية، ورفع كفاءة الأسواق، كلها إجراءات يمكن أن تضيف إلى الأمن الغذائي ما يعادل إنتاج مساحات واسعة من الأراضي دون استصلاح فدان واحد إضافي.
مصر الممكنة التي نتطلع إليها عام 2030 ليست مصر التي تنتظر السفن المحملة بالغذاء لتطمئن إلى مستقبلها. وليست مصر التي تخشى كل أزمة دولية أو تغير في الأسعار العالمية. بل هي مصر التي تبني قدرًا معقولًا من الاعتماد على الذات، وتدير مواردها بكفاءة، وتستثمر في أرضها ومياهها وعقول أبنائها.
الأمن الغذائي في جوهره ليس معركة زراعية فقط، بل مشروع وطني متكامل. مشروع يبدأ من الفلاح، ويمر عبر الباحث والمصنع والمصدر والتاجر وصانع القرار، وينتهي عند المواطن الذي يريد غذاءً آمنًا بسعر عادل.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ونحن نقترب من عام 2030 ليس: كم نستورد من الغذاء؟
بل: كم نستطيع أن ننتج؟ وكم نستطيع أن نحافظ على ما ننتجه؟ وكم نستطيع أن نضيف إليه من قيمة؟
فالإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد إلى حد كبير شكل مصر الممكنة التي نحلم بها.
الحلقة القادمة:
الري الحديث… ثورة لا تحتمل التأجيل







