د. أيمن نور يكتب: الغبي 4

وأنا أواصل العمل في كتابي الجديد الغبي، أكتشف كل يوم أن الغباء ليس عيبًا في العقل بقدر ما هو عطب في العلاقة مع الحقيقة. فالحقيقة كائن حي، تتغير صورته كلما اقتربنا منه، بينما يصر الغبي على أن يحتفظ لها بصورة قديمة التقطها ذات يوم ثم قرر أن يعيش عمره كله داخل إطارها.
الجاهل يعرف أنه لا يعرف، ولذلك يظل بابه مفتوحًا للمعرفة. أما الغبي فتكمن مأساته في أنه يظن أنه وصل. يتوقف عن السؤال. يتوقف عن الإصغاء. يتوقف عن الشك. وحين يموت الشك تموت معه أجمل قدرة منحها الله للإنسان: القدرة على الاكتشاف.
ليس أكثر خطورة على البشر من أولئك الذين لا يراجعون أنفسهم أبدًا. الذين يمشون في الطريق الخطأ بثقة كاملة، ويعتبرون العودة فضيحة، ويعتبرون المراجعة هزيمة، ويعتبرون الاعتراف بالخطأ انكسارًا للكرامة، بينما الحقيقة أن الكرامة الحقيقية تبدأ من شجاعة الاعتراف.
تأملت طويلًا في كثير من المآسي السياسية والفكرية والإنسانية التي عرفتها حياتنا. فوجدت أن أغلبها لم يبدأ من سوء النية، بل من اليقين المطلق. من أشخاص أحبوا أفكارهم أكثر مما أحبوا الحقيقة، وأحبوا صورتهم أكثر مما أحبوا الواقع.
الغبي لا يخسر لأنه أخطأ. كلنا نخطئ. لكنه يخسر لأنه يرفض أن يرى خطأه. يرفض أن يمنح نفسه فرصة النجاة. يرفض أن يفتح نافذة صغيرة يدخل منها الضوء إلى غرفة أغلقها على نفسه منذ سنوات.
وربما لهذا لا يقلقني الخطأ بقدر ما يقلقني الاطمئنان إليه. لا يقلقني السقوط بقدر ما يقلقني تحويل السقوط إلى عقيدة. ولا يقلقني أن يتعثر الإنسان، بل أن يتوقف عن مراجعة الطريق.
بعض الناس يكبرون كلما راجعوا أنفسهم. وبعضهم يشيخون داخل فكرة واحدة. وبين الاثنين تقع المسافة.







