في مثل هذا اليوم رحيل العلامة عبدالله شحاته قامة التفسير الوسطي

يصادف اليوم العشرين من يونيو ذكرى رحيل عالم من أبرز علماء الأزهر الشريف وهو الأستاذ الدكتور عبد الله محمود شحاتة الذي وافته المنية في العشرين من يونيو عام 2002 تاركاً خلفه إرثاً علمياً وفكرياً غزيراً، ولقد شكلت مسيرة الدكتور عبد الله شحاتة نموذجاً فريداً للوسطية والاعتدال في الفكر الإسلامي، حيث كرس حياته لخدمة العلوم الشرعية ونشر الوعي الديني القائم على العلم والمنطق بعيداً عن الغلو والتشدد الذي طالما حذر منه في دروسه ومؤلفاته التي ما زالت تشكل مرجعاً للباحثين.
ولد الدكتور عبد الله محمود شحاتة في قرية نادر بمحافظة المنوفية عام 1930، ومنذ نشأته الأولى أظهر نبوغاً واضحاً قاده إلى القاهرة لاستكمال دراسته الجامعية، حيث التحق بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة وحصل منها على ليسانس اللغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية، ولم يكتف بذلك بل واصل رحلته العلمية ليحصد درجة الماجستير في التفسير من الكلية ذاتها عام 1960، ثم تلاها بدرجة الدكتوراه في التفسير وعلوم القرآن عام 1968، ليضع قدمه على طريق العلماء الكبار في مجال التفسير.
تولى الدكتور عبد الله شحاتة مناصب أكاديمية رفيعة المستوى أبرزها رئاسة قسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ولم تقتصر عطاءاته على مصر بل امتدت لتشمل العديد من الجامعات العربية في السعودية والسودان وسلطنة عمان، حيث ترك بصماته العلمية بين أجيال من طلاب العلم الذين تتلمذوا على يديه، وظل طوال مسيرته الأكاديمية مثالاً للأستاذ الجامعي المخلص الذي يجمع بين عمق العلم وبساطة الطرح، مما مكنه من إيصال المفاهيم الشرعية المعقدة إلى قطاعات واسعة من المجتمع.
اشتهر الدكتور عبد الله شحاتة بأسلوبه الهادئ والمطمئن في تقديم البرامج التلفزيونية الدينية التي حظيت بمتابعة واسعة منذ أواخر التسعينيات وحتى وفاته، ومن أشهرها برنامجا “دنيا ودين” و”حديث الروح” عبر القناة الفضائية المصرية، حيث كان يخاطب المشاهدين بلغة عربية فصحى مصرية ميسرة، مبتعداً عن حدة الخطاب التي اتسم بها بعض معاصريه، وكان يرى أن الخطاب الديني يجب أن يكون جسراً للمحبة والتسامح لا أداة للتنفير أو إثارة الفتن بين الناس.
ألف الدكتور عبد الله شحاتة عدداً كبيراً من المصنفات التي أثرت المكتبة الإسلامية، منها “تفسير القرآن” و”الإمام محمد عبده ومنهجه في التفسير” و”الإعلام الديني والدعوة الإسلامية” و”تفسير الآيات الكونية” و”الإسلام والبيئة” و”علوم الدين الإسلامي” و”مع القرآن”، كما كان له سبق في طرح قضايا معاصرة مثل كتاب “رؤية الدين الإسلامي في الحفاظ على البيئة” الذي أصدره عام 2001، وهو ما يعكس اهتمامه بمواكبة مستجدات العصر وربط النص الديني بالتحديات البيئية التي تواجه البشرية.
غادر الدكتور عبد الله شحاتة عالمنا في 9 ربيع ثاني 1423 هجرية الموافق 20 يونيو عام 2002، ووري جثمانه الثرى في القاهرة، مخلفاً مسيرة حافلة بالعطاء الذي يتجاوز مجرد الكتابة والتأليف، إلى بناء مدرسة فكرية تعتمد على العقل والتدبر في آيات الله، ويظل رحيل هذا العالم الجليل خسارة كبيرة للوسطية الدينية التي كانت تجد فيه صوتاً يصدح بالحق بالحسنى، حيث لا يزال الكثير من محبيه وعارفي فضله يستحضرون ذكراه العطرة في مثل هذا اليوم من كل عام.
تعد سيرته اليوم نبراساً يهتدي به طلاب العلوم الشرعية، فالدكتور عبد الله شحاتة لم يكن مجرد أستاذ جامعي بل كان داعية حمل هموم الأمة ومشاغلها في قلبه، وظل ثابتاً على منهجه القويم حتى اللحظات الأخيرة من حياته، ومن الضروري أن يتم إحياء ذكرى وفاته عبر إعادة نشر مؤلفاته الثمينة التي لا تزال تقدم حلولاً وفهماً مستنيراً للكثير من القضايا التي تهم المجتمع المسلم في سياقه المعاصر، رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته جزاء ما قدم من علم نافع.







