مقالات وآراء

نجيب بلحيمر يكتب: سؤال الهزيمة والنصر

منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في أفريل الماضي والسؤال الأكثر تداولا بين الناس هو من الذي انتصر في الحرب؟ وقد عاد السؤال أكثر إلحاحا بعد نشر مذكرة التفاهم ذات الأربعة عشر بندا.
تحديد المنتصر في الحرب يكون بالنظر إلى مدى تحقق أهداف الحرب.
كان هدف أمريكا من الحرب تغيير النظام في إيران، وتفكيك المشروع النووي، والقضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية، وهو ما يترتب عليه إنهاء الدعم الإيراني لحلفائها في محور المقاومة.
ولأن ترامب أعلن صراحة بأنه لن يقبل بأقل من الاستسلام الكامل واللامشروط، وباعتباره المبادر بالحرب، فإنه أرغم إيران على جعل هدفها الصمود وعدم الاستسلام، وهذا يعني أن الهدف الأول لإيران هو الحفاظ على تماسك النظام، والاحتفاظ بقدرات عسكرية تكفي لإلحاق الأذى بأمريكا وإسرائيل، والاحتفاظ بورقة الملف النووي من أجل تحقيق أهداف أخرى سيفرضها مسار الحرب لاحقا.
ترامب خاض حرب اختيار ( War of Choice) وهو ما يعني أن الفشل في تحقيق الأهداف يعتبر هزيمة، أما إيران فقد فرضت عليها حرب ضرورة (War of Necessity ) حيث يكفيها أن تمنع العدو من تحقيق أهدافه لتكون في وضع المنتصر.
هناك كتاب مهم للدبلوماسي والمفكر السياسي الأمريكي ريتشارد هاس عن حرب الاختيار والضرورة
War of Necessity, War of Choice
A Memoir of Two Iraq Wars
لقد كان ترامب منذ البداية رافضا لفكرة التورط في الحروب الأبدية ولذلك اختار العمليات العسكرية السريعة قليلة الكلفة ومضمونة النتائج ( كانت فنزويلا المثال الأكثر نجاحا وإغراء)، ولذلك بدا قراره بإعلان الحرب على إيران مناقضا لتعهداته الانتخابية وغير عقلاني في نظر كثير من الباحثين والخبراء الأمريكيين الذين يعرفون عدم اهتمام ترامب بتغيير الأنظمة، والغريب أن نموذج فنزويلا يؤكد هذا التوجه.
أما من الجانب الإيراني فإن عدم اختيار الحرب يجعل النجاة أو البقاء نصرا، وهو ما قال به جميع الباحثين الذين اعتبروا أنه سيكفي إيران الصمود لتنتصر خاصة وأن الطرف الآخر قوة عظمى نووية تسندها قوة عسكرية نووية جبارة.
صحيح أن إيران تعرضت لدمار كبير وكلفتها الحرب كثيرا، لكن النتائج التي آلت إليها الحرب حققت لها أكثر من البقاء، ويكاد يحصل الإجماع على أن إيران باتت أقوى مما كانت عليه عشية اندلاع الحرب سواء من خلال الاعتراف بدورها الإقليمي (اعتراف تشترك فيه أمريكا ودول الخليج)، وحتى ما ستحصل عليه كمقابل فوري لتوقيع مذكرة التفاهم، وما ستفاوض عليه من مكاسب خلال الأيام المقبلة، يمنحها مزايا قد تسمح لها بإعادة بناء العلاقة بين نظام الجمهورية الإسلامية والمجتمع الإيراني.
ما هو محل إجماع ( ويستحق التأمل) هو أن الحرب أظهرت كيف يمكن أن تنهزم قوة عسكرية عظمى بسبب سوء التقدير وسوء التدبير، فسوء استخدام الموارد، وسوء تسيير مصادر القوة قد يؤدي إلى هزائم استراتيجية حتى ولو بدت نتائج المعارك تؤكد نصرا عسكريا لا غبار عليه ( حدث هذا في فيتنام وأفغانستان والعراق ويتكرر الآن في إيران )، وستكون إيران أمام امتحان مشابه في المستقبل القريب حيث يتعين عليها أن تعالج آثار الحرب، وأن تحسن التفاوض لتثبيت الأوراق التي يبدو أنها كسبتها ( السيطرة على مضيق هرمز خاصة) وأن ترسخ النظام من خلال إرساء علاقة جديدة مع المجتمع.
الحرب لم تنته، وسواء باتفاق أو بدونه، فإن هدف إسقاط النظام في إيران سيظل أولوية إسرائيلية مطلقة، وإلى حد ما هدفا أمريكيا، وسيستمر العمل على بلوغه بطرق مختلفة حتى ولو لم يطرح خيار الحرب الشاملة على المدى القريب.
الإجماع على هزيمة أمريكا حاصل، أما نصر إيران فمؤكد بالنظر إلى هزيمة من بادر بالاعتداء عليها، لكنه بحاجة إلى تثبيت من خلال معارك قادمة على جبهات متعددة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى