انهيار المنظومة القضائية في تونس والمحامون يعلنون العصيان ضد الهيمنة السياسية

شهدت أروقة المحكمة الابتدائية في العاصمة تونس مشهدا غير مسبوق من الاحتقان الشعبي والحقوقي يوم الخميس 18 يونيو 2026، حيث احتشد المئات من المحامين بملابسهم السوداء وشاراتهم الحمراء تلبية لدعوة الإضراب العام الذي شل الحركة داخل جميع المحاكم في البلاد، وأكد النقيب بوبكر ثابت أن هذا التحرك يأتي في ظل تصاعد حدة التوتر بين مهنة المحاماة ووزارة العدل، وسط هتافات تندد بالتدخل المباشر في الأحكام وتطالب بضمانات حقيقية لاستقلال القضاء وحماية الحريات العامة من التوظيف السياسي الممنهج.
يؤكد المحامون في تونس أن هذه الاحتجاجات تمثل محطة مفصلية في صراع وجودي مع السلطة التنفيذية، حيث انتقدت الهيئة الوطنية للمحامين بتونس التدهور الحاد في حقوق الدفاع، معتبرة أن المؤسسة القضائية فقدت استقلاليتها وباتت تدار عبر تعليمات فوقية، بينما واصلت وزيرة العدل ليلى جفال تجاهل المطالب الأساسية للمحامين، مما دفع المهنة إلى إعلان رفضها القاطع لاستمرار حالة “الوصاية” التي تفرضها الوزارة على القضاة والمحامين، وهو ما وصفه المعتصمون بأنه تقويض لأبسط مقومات المحاكمة العادلة في البلاد.
يرجع تاريخ هذا الصدام إلى التحولات الجذرية التي شهدتها البلاد منذ 25 يوليو 2021 حينما استحوذ الرئيس قيس سعيد على كامل السلطات وأعلن نفسه مدعيا عاما، حيث تلا ذلك حل المجلس الأعلى للقضاء في فبراير 2022 وعزل 57 قاضيا في 1 يونيو من نفس العام، وهو ما فتح الباب أمام سيطرة كاملة على الجهاز القضائي، حيث تشير جمعية القضاة التونسيين إلى صدور نحو 1700 مذكرة إدارية مؤخرا تستخدم كأداة لترهيب القضاة أو نقلهم تعسفيا في حال اعتراضهم على القرارات التي تملى عليهم من السلطة.
تتواصل الانتهاكات بحق القائمين على الدفاع، حيث يقبع العديد من المحامين خلف القضبان بسبب أدائهم لواجبهم المهني في قضايا سياسية حساسة، من أبرزهم المحامي عياشي الهمامي الذي صدر بحقه حكم نهائي في نوفمبر 2025 بالسجن لمدة 5 سنوات، بينما اضطرت المحامية دليلة بن مبارك مصدق إلى الهروب خارج البلاد بعد ملاحقتها في 7 قضايا قضائية بسبب دفاعها عن أخيها المعارض جوهر بن مبارك المحكوم عليه بالسجن 20 عاما، كما طالت الاعتقالات شخصيات بارزة كشوقي طبيب وخالد كريشي في مؤشر على اتساع دائرة القمع.
تصف المحامية حيفا الشبي الوضع بأنه غياب تام للعدالة في تونس، حيث تحول القضاء إلى أداة تنفيذية تابعة للسلطة السياسية التي تتحكم في أدق تفاصيل المحاكمات، وتأتي هذه التصريحات في وقت تزايدت فيه مخاوف المنظمات الحقوقية من تعذيب الموقوفين، كما حدث مع المحامي مهدي زغروبة في مايو 2024، وهي اتهامات ترفضها وزارة الداخلية بشدة رغم التقارير الموثقة، مما دفع محامين دوليين مثل ويليام بوردون وفينسينت برينغارث إلى مطالبة الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات شاملة على المسؤولين عن انتهاك حقوق الإنسان في تونس.
تصر نقابة المحامين على الاستمرار في هذا النضال المهني بوصفه خط الدفاع الأخير عن دولة القانون، مؤكدة أن الإضراب ليس مجرد احتجاج على ظروف العمل، بل هو صرخة ضد تحويل القضاء إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، مطالبين المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لوقف تدهور استقلال القضاء وحماية المحامين من الملاحقات الأمنية والقضائية التي تهدف إلى إسكات أي صوت يجرؤ على المطالبة بالعدالة، لتبقى الأيام القادمة شاهدة على حجم الاحتقان في الشارع القضائي التونسي.







