مقالات وآراء

الدكتور عدنان منصور يكتب: من الحرب على إيران: الدرس والعبرة والاقتدار

ما جرى في العامين 2025 و2026 من حرب أميركية “إسرائيلية” على إيران، ومن ثمَّ توصّل واشنطن وطهران إلى توقيع مذكرة تفاهم، توقف العمليات العسكرية لتشمل الجبهات في المنطقة بما فيها لبنان، يدفع المراقب للأحداث والتطورات، والتداعيات التي أفرزتها الحرب، إلى تسليط الضوء على عدة حقائق لا بدّ من أخذها بالاعتبار، بموضوعية وتجرّد وحيادية، بعيداً عن الخلفية السياسية، والتشنّج، والأحكام المسبقة، والعصبية القومية والطائفية.
لقد اتخذت دول المنطقة على مدى عقود، وبالذات منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مواقف سياسية متباينة تجاه إيران، وسياساتها الداخلية والإقليمية والدولية. لم يقتصر هذا التباين على دول المنطقة، وإنما أخذ بعده الدولي، متمثلاً بالدولة العظمى الولايات المتحدة التي ناصبت العداء للنظام الجديد، نظراً لما أحدثه من زلزال سياسي استراتيجي، غيّر المعادلة في منطقة الشرق الأوسط، وذلك بخسارة واشنطن لأهمّ حليف لها في العالم، على حدّ قول هنري كيسنجر، والذي لم يكن فقط سدّاً في وجه الاتحاد السوفياتي، وإنما كان أيضاً شرطي الخليج يؤمّن مصالح واشنطن فيه، يفعل ما يشاء والجميع يخشاه ويهابه.
بقيَت إيران منذ عام 1979 هدفاً استراتيجياً رئيساً لواشنطن وتل أبيب، ولدول في المنطقة، حيث لا يروقها نظام راديكالي قد يؤثر على مصالحها الاستراتيجية، لذا رأت تقليص العلاقة معه إلى الحدّ الأدنى، وبالتالي الوقوف إلى جانب الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة التي لم تنفك عن العمل للإطاحة بالنظام بأيّ شكل من الأشكال.
بدأت السياسة العدائية المباشرة ضدّ طهران من واشنطن التي لجأت إلى فرض العقوبات الأحادية الأميركية عليها، لتلحق بها عقوبات أممية صادرة عن مجلس الأمن أعوام 2006 و2007 و2008 و2010. كما عمدت واشنطن إلى شيطنة إيران، وتصنيفها واحدة من دول محور الشر، وبعد ذلك شنّت حملات إعلامية شرسة عليها، بمشاركة اللوبيات “الإسرائيلية” في العالم، مدعومة بحملات إعلامية مركزة من دول عديدة في المنطقة، تناغمت بشكل كبير مع الحملات الإعلامية الأميركية الإسرائيلية، ليصبح الهدف مشتركاً بين الجميع.
أرادت واشنطن مع حلفائها في المنطقة إسقاط النظام من الداخل، عبر فرض أقسى العقوبات الاقتصادية على إيران، وحصارها، وتطويقها بغية استسلامها وخضوعها، وإدخالها مجدّداً في دائرة النفوذ الأميركي، أسوة بالدول التي ارتضت لنفسها أن تستلقي في الحضن الأميركي، وتحظى برضا الولايات المتحدة، التي زرعت قواعدها العسكرية في المنطقة، لمواجهة إيران. وأيضاً إلزام دولٍ على زيادة إنفاقها العسكري، رغم وجود القواعد، حيث بلغ إنفاق ثلاث دول عربية على السلاح في عام واحد 100 مليار دولار.
بعد فشل الضغوط والعقوبات الاقتصادية والمالية، والحصار التجاري، والإخفاق في تأليب الشعب على النظام الإيراني، وبعد أن خطت إيران خطواتها الكبيرة في برامجها النووية، والبحثية، والعلمية، والعسكرية، والفضائية، والصناعية والتنموية، وأصبحت عصيّة على أيّ حصار أو عقوبات لإسقاط نظامها، كان لا بدّ للثنائي ترامب ونتنياهو أن يلعبا الورقة الأخيرة قبل فوات الأوان، وأن يصفّيا حسابهما مع القيادة الإيرانية من خلال حرب مدمّرة أشعلها ترامب ونتنياهو، وكشفا عن غايتهما علناً، وهي الإطاحة بالنظام الإيراني وتغيير وجه الشرق الأوسط. حربٌ لقيت بدايةً ارتياحاً ضمنياً، وشعوراً بالرضا والاطمئنان من قبل دول في المنطقة، لم ترفع صوتها في وجه واشنطن وتل أبيب، ولم تُدِن العدوان وإنْ ظاهرياً، ظنّاً منها أنّ الحرب ستقضي على النظام، وأنها بعيدة عنها، ولن تطالها على اعتبار أنها محمية ومصانة بالقواعد الأميركية المتواجدة على أرضها.
لقد أبرزت الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران عدة حقائق لا يمكن للعالم، وبالذات لدول المنطقة، تجاهلها وهي:

1 ـ إنّ إيران استطاعت أن تحبط هدف العدوان المباشر عليها، وهو إسقاط النظام الذي بشّر به ترامب في الأيام الأولى من الحرب، والذي جزم بانهياره، وأنّ لديه أسماء سيختار من بينها مَن سيقود إيران في المرحلة المقبلة. كما أسقطت أوهام نتنياهو الذي جزم أنه سيغيّر الشرق الأوسط، وإذا بإيران هي التي تغيّر المعادلات في المنطقة لصالحها.
2 ـ استطاعت إيران أن تصمد طيلة أيام الحرب، وتمكّنت من قصف الأهداف والقواعد العسكرية الأميركية في عقر دارها في الخليج، وأن تضرب هيبة أميركا العسكرية في الصميم، التي لم تشهد مثلها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، رغم تعرّض منشآت نووية ومدنية وعسكرية تابعة لها إلى تدمير وخسائر في الأرواح.
3 ـ أثبتت إيران لثنائي الحرب ترامب ونتنياهو، أنّ إيران ليست فريسة سهلة تؤكل، ولا جمهورية من جمهوريات الموز، ولا دولة كالدول الهشة التي يُلوى ذراعها بسهولة، لا اعتبار ولا مكانة ولا سيادة فعلية لها.
4 ـ أكدت الحرب أنّ الأمن القومي لدول المنطقة لا تصونه أميركا، ولا تحميه قواعدها العسكرية. أمن المنطقة لا يُناط بواشنطن ولا بتل أبيب أو بغيرهما، وإنما يُناط بدولها. هل وفرت القواعد العسكرية الأمن للمنطقة أم أجّجت الصراعات فيها على مدى عقود؟! من أجل مَن كانت هذه القواعد العسكرية وضدّ مَن، ولصالح مَن، وفي خدمة مَن؟! ألحماية دول المنطقة وأمنها وسيادتها من الخطر، وأيّ خطر، ومن أين يأتي هذا الخطر؟! وهل منعت القواعد العسكرية الأميركية إيران من أن تستهدف مباشرة هذه القواعد رداً على العدوان الأميركي عليها؟! هل الإنفاق العسكري لدول ثلاث في المنطقة، الذي بلغ منذ عام 2000 وحتى اليوم أكثر من 2.1 تريليون دولار، منع الحرب أن تصل إلى بلدانها؟!
5 ـ إنّ دول منطقة غربي آسيا لا بدّ لها من مراجعة حساباتها، وتقويم مواقفها، وتهذيب سياساتها لما فيه أمن واستقرار ومصالح دولها وشعوبها، بعيداً عن دائرة نفوذ الدولة العظمى وقواعدها، التي تبحث عن مصالحها، والتي لن تتردّد لحظة حين تدعو الحاجة في وضع “أصدقائها” على المشرحة للمساومة عليهم والتخلص منهم.
6 ـ ما أحوج دول المنطقة إلى إعادة الثقة فيما بينها، والتي تجمعها روابط تاريخية وثيقة، وعوامل الجغرافيا، والروحانية المشتركة، والمصالح الاقتصادية، والروابط الثقافية، والأمن القومي الواحد. إنّ ما يجمع ويوحد هذه الدول أكثر بكثير مما يفرّق. لقد عمدت القوى الكبرى إلى تمزيق دول المنطقة، وتفريقها، وإبعادها عن بعضها البعض، وأذكت العداوات فيما بينها، لتشعلها وتغرق شعوبها في أتون من الصراعات والنزاعات والفوضى والحروب، ومن ثمّ تهيمن عليها، وتتحكم بقرارها ومصيرها، وتعزز نفوذها وسيطرتها ونهبها لثرواتها.
7 ـ لا بدّ لدول المنطقة من إعادة تقييم سياساتها من جديد، لجهة المشروع الإبراهيمي الذي بشّر به ترامب وكان عرّابه، لتكون “إسرائيل” محور المشروع، وقاطرة الدول المنتمية إليه. لقد سقط مبرّر هذا المشروع المشبوه من أساسه، الذي انخرطت فيه أكثر من دولة، ليكشف لاحقاً عن حقيقته المرة، بعد أن قامت “إسرائيل” بعدوانها الغادر على إيران، لتثبت المرة تلو المرة أنها دولة عدوان واحتلال، وأنه لا يمكن الركون لها مطلقاً، أو الثقة بها من قريب أو بعيد. هذا المشروع لن يحقق السلام والاستقرار والأمن القومي لمنطقة الشرق الأوسط، طالما هناك دولة احتلال وتوسّع متواصل لم يتوقف يوماً، وهناك أيضاً دول رافضة له بالشكل والأساس.
8 ـ السلام والاستقرار والأمن المستدام لدول المنطقة لا يأتي من واشنطن ولا من تل أبيب. وحده التعاون والتنسيق والتكامل الاقتصادي والمصالح المشتركة بين دول المنطقة يصون الأمن القومي لدولها وشعوبها، ولا تصونه الولايات المتحدة و”إسرائيل” اللتان نكثتا بالقرارات الدولية ذات الصلة بقضايا المنطقة وباتفاقات أوسلو، وواي ريفر، وشرم الشيخ، وغزة، واستمرار “إسرائيل” بارتكاب الجرائم ضدّ الإنسانية بحق اللبنانيين والفلسطينيين.
9 ـ إنّ “إسرائيل” بكلّ مكوناتها السياسية والعسكرية تشعر بالإحباط جراء الاتفاق الأميركي الإيراني، الذي تعتبره اتفاقاً سيئاً، ولن تحترم وقف إطلاق النار الذي يشملها، بل ستعمل على إفشاله مثلما عملت على إفشال الاتفاق النووي بين إيران والمجموعة 5+1 عام 2015، والذي وصفه نتنياهو في حينه على أنه اتفاق سيّئ. هنا لا بدّ لدول المنطقة من أن تقف وقفتها في وجه نتنياهو المصمّم على إجهاض الاتفاق، واستمرار العدوان على لبنان والعودة إلى الحرب على إيران، أياً كانت النتائج والتداعيات المدمرة التي ستلحق بدول المنطقة.
10 ـ آن الأوان أن يدرك الجميع في المنطقة أنّ إيران بعد الحرب عليها أضحت قوة إقليمية كبرى لا يُستهان بها، ولا يمكن اختزالها أو تجاهلها أو تهميشها بأيّ شكل من الأشكال، لأنها ركن أساسي ومحوري للأمن القومي لمنطقة غربي آسيا، وأنّ الاستقرار والسلام والتنمية فيها لا يتحقق ولا يُصان إلا بالتعاون والتنسيق المشترك بين دولها وإيران.
إنّ صمود إيران المتمثل بالمقاومة الشرسة لجيشها وحرسها الثوري في وجه الحرب الثنائية، وتماسك وحدة قيادتها وشعبها، جعلها تحقق أثناء الحرب إنجازات وطنية وعسكرية استراتيجية عالية، عززت كثيراً من هيبتها ومكانتها ورصيدها الكبير في المعادلات والتوازنات الإقليمية الدولية، شهد لها الأعداء قبل الأصدقاء.
الشرق الأوسط قبل الحرب ليس كما بعدها، وإيران بعد الحرب ليست كما قبلها. لذلك على دول المنطقة أن تعيد حساباتها ورهاناتها من جديد، وأن تتكامل مع إيران بما يحفظ المصالح المشتركة لدول وشعوب المنطقة، في أمنها واستقرارها واستدامة تنميتها، بعيداً عن هيمنة ونفوذ القوى الأجنبية!

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى