شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: الري الحديث… ثورة لا تحتمل التأجيل . مصر الممكنة 2030 (21) الزراعة والغذاء والمياه (6)

قليل من الملفات شعرت، على امتداد سنوات العمل السياسي والبرلماني، بأنها تختصر جانبًا كبيرًا من مستقبل مصر كما شعرت تجاه ملف المياه. فكلما ناقشنا قضية الزراعة عدنا إلى المياه. وكلما تحدثنا عن الأمن الغذائي وجدنا المياه في قلب الصورة. وحتى حين كنا نتناول قضايا التنمية أو التوسع العمراني أو الصناعة، كانت المياه حاضرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة باعتبارها المورد الذي تتوقف عليه معظم خطط المستقبل.

ربما كان من حسن حظ أجيال سابقة أن النيل كان يبدو موردًا لا ينضب. أما أجيال اليوم فباتت تدرك أن العلاقة بين السكان والموارد المائية لم تعد كما كانت قبل نصف قرن أو قرن. عدد السكان تضاعف مرات عديدة، بينما ظل المورد الأساسي محدودًا تقريبًا. ومن هنا أصبحت القضية الحقيقية ليست فقط كم نملك من المياه، بل كيف ندير ما نملك منها.

خلال زيارات عديدة لمناطق زراعية داخل مصر، كان أكثر ما يلفت الانتباه أن كثيرًا من المزارعين لا يتحدثون عن الري باعتباره مسألة تقنية، بل باعتباره مسألة حياة يومية. موعد وصول المياه قد يحدد نجاح الموسم أو فشله. كفاءة شبكة الري قد تحدد ربحية المحصول أو خسارته. وأي خلل في الإدارة ينعكس فورًا على دخل الأسرة الزراعية وعلى حجم الإنتاج.

لهذا فإن الحديث عن الري الحديث لا ينبغي أن يُفهم باعتباره رفاهية تقنية أو مشروعًا هندسيًا إضافيًا. نحن نتحدث عن واحدة من أهم أدوات حماية الأمن المائي والغذائي في مصر خلال العقود القادمة. فالدول التي نجحت في إدارة مواردها المائية لم تكن دائمًا الأكثر وفرة في المياه، لكنها كانت الأكثر كفاءة في استخدامها.

لسنوات طويلة ظل الري بالغمر هو الأسلوب السائد في أجزاء واسعة من الأراضي الزراعية المصرية. وكان ذلك مفهومًا في ظروف تاريخية معينة. لكن ما كان مقبولًا في زمن الوفرة النسبية يصبح أكثر كلفة في زمن الندرة. فجزء من المياه يضيع قبل أن يصل إلى النبات، وجزء آخر يتبخر أو يتسرب أو يستخدم بكفاءة أقل مما تسمح به التقنيات الحديثة.

التجارب الدولية تقدم دروسًا تستحق التأمل. فالمغرب، التي تواجه تحديات مائية كبيرة، وضعت خلال العقدين الأخيرين برامج واسعة للتحول إلى نظم ري أكثر كفاءة. وإسبانيا، رغم طبيعتها المناخية الصعبة في بعض مناطقها، استطاعت أن تصبح قوة زراعية مهمة بفضل الإدارة الدقيقة للمياه. أما هولندا فقد نجحت في تحقيق إنتاجية زراعية استثنائية من خلال الجمع بين التكنولوجيا والإدارة الرشيدة.

ما تعلمته من متابعة هذه التجارب أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. المعدات يمكن شراؤها، لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول كفاءة استخدام المياه إلى ثقافة عامة وسياسة دولة واستراتيجية طويلة المدى. وهنا تحديدًا يكمن التحدي المصري.

كثير من النقاشات العامة تختزل القضية في استبدال نظام ري بآخر. بينما الواقع أكثر تعقيدًا. فهناك شبكات نقل المياه، وصيانة الترع والمصارف، ومستوى الوعي لدى المزارعين، وطبيعة المحاصيل المزروعة، ونظم التسعير والدعم، والتنسيق بين المؤسسات المختلفة. وكل عنصر من هذه العناصر يؤثر في النتيجة النهائية.

من واقع الخبرة البرلمانية أرى أن إحدى المشكلات التقليدية كانت النظر إلى ملف المياه باعتباره مسؤولية جهة واحدة. بينما الحقيقة أن نجاح السياسة المائية يتطلب تنسيقًا دائمًا بين الزراعة والري والبحث العلمي والإدارة المحلية والتعليم والقطاع الخاص. فالمياه ليست ملف وزارة، بل ملف دولة كاملة.

كما أن التحول إلى نظم الري الحديثة لا يمكن أن يعتمد فقط على قدرة الفلاح الفردية. فغالبية المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة، وكثير منهم لا يستطيع تحمل التكلفة الأولية للتحول بمفرده. ولهذا فإن نجاح هذه السياسة يتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع المصرفي والمؤسسات التنموية والمنتجين أنفسهم.

وأرى أن من الضروري إطلاق برنامج وطني شامل للري الحديث حتى عام 2030، يتضمن تمويلًا ميسرًا طويل الأجل، ومراكز دعم فني بالمحافظات الزراعية، وبرامج تدريب ميداني، وحوافز للمزارعين الذين يحققون أعلى كفاءة في استخدام المياه. فالتحول الناجح لا يقوم على الإلزام وحده، بل على الاقتناع والمصلحة المشتركة.

كما يجب أن يرتبط هذا البرنامج بإعادة النظر في الخريطة المحصولية. فليست كل المحاصيل متساوية في استهلاك المياه أو في العائد الاقتصادي. وبعض الدول نجحت في تحقيق توازن ذكي بين احتياجاتها الغذائية ومواردها المائية من خلال توجيه الإنتاج نحو محاصيل أكثر كفاءة وأعلى قيمة.

البحث العلمي يمثل بدوره عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة. فالمعركة المقبلة لن تكون فقط حول توفير المياه، بل حول إنتاج أصناف نباتية أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية وأقل استهلاكًا للمياه وأكثر إنتاجية. والاستثمار في هذا المجال قد يحقق عوائد تفوق أحيانًا كثيرًا من المشروعات التقليدية.

التكنولوجيا الحديثة تفتح آفاقًا واسعة كذلك. أجهزة قياس الرطوبة، وأنظمة التحكم الذكية، والاستشعار عن بعد، والخرائط الرقمية، وتطبيقات الهاتف المحمول، كلها أدوات أصبحت جزءًا من الحياة الزراعية في كثير من الدول. وما يبدو اليوم متقدمًا قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءًا عاديًا من الممارسة الزراعية اليومية.

ومن بين المقترحات التي أراها مهمة أيضًا إنشاء مرصد وطني لكفاءة استخدام المياه الزراعية، يتابع بصورة دورية معدلات الاستهلاك والإنتاجية والفاقد، ويصدر تقارير علنية تساعد صناع القرار والباحثين والرأي العام على متابعة التطور المحقق والتحديات القائمة.

كما أقترح ربط جزء من برامج الدعم الزراعي المستقبلية بمعدلات الكفاءة المائية، بحيث يحصل المنتج الأكثر كفاءة على مزايا إضافية. فالمكافأة الاقتصادية تظل في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا من العقوبات الإدارية.

مصر الممكنة التي نتطلع إليها لا تستطيع أن تعتمد فقط على زيادة الموارد المائية، لأن جزءًا كبيرًا من هذه الموارد خارج نطاق السيطرة المباشرة. لكنها تستطيع أن تعتمد على شيء آخر أكثر أهمية، وهو تحسين إدارة كل قطرة متاحة. وهذه معركة يمكن كسبها إذا توفرت الإرادة والرؤية والاستمرارية.

الماء ليس مجرد مورد اقتصادي. إنه الشرط الأول للزراعة، والزراعة هي الشرط الأول للغذاء، والغذاء هو أحد شروط الاستقرار الوطني. ولهذا فإن أي استثمار في كفاءة استخدام المياه هو في جوهره استثمار في مستقبل مصر نفسها.

وربما كان التحدي الأكبر أمامنا خلال السنوات القادمة ألا نكتفي بإدارة الأزمة، بل أن ننتقل إلى إدارة المستقبل. فالدول التي تنتظر حتى تشتد الأزمات تدفع تكلفة أعلى بكثير من الدول التي تستعد مبكرًا. ومصر، بما تملكه من خبرة تاريخية وعقول علمية وقدرات بشرية، قادرة على أن تجعل من ملف المياه قصة نجاح جديدة إذا أحسنت التخطيط والتنفيذ.

الحلقة القادمة:

التصنيع الزراعي… القيمة المضافة الغائبة

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى