شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: ضي.. النوبة وذوو الهمم في أجمل انتصار للإنسان

شاهدت بالأمس فيلم «ضي» عبر إحدى المنصات، وانتهى الفيلم بينما بقيت الحكاية. بقي ذلك الشعور النادر الذي لا تصنعه السينما كثيرًا؛ شعور أن العمل لم يكن يحكي عن بطل واحد، بل عن بشر كثيرين نمر بهم كل يوم ولا نراهم بما يكفي.

في تقديري الشخصي، فإن «ضي» من أجمل وأصدق الأفلام المصرية التي شاهدتها خلال السنوات الأخيرة. ليس لأنه متقن الصنع فقط، ولا لأنه يروي قصة مختلفة، بل لأنه يذهب إلى منطقة إنسانية شديدة العمق، بعيدة عن الضجيج، قريبة من القلب، ويعيد إلى الشاشة المصرية وجوهًا وحكايات تستحق أن تُروى.

يحكي الفيلم قصة فتى نوبي مصاب بالمهق، أو ما يعرف عند أهلنا في الجنوب بـ«أعداء الشمس». لكن جمال الفيلم أنه لم يتعامل معه كحالة تستدعي الشفقة، ولم يحوله إلى ضحية دائمة، بل قدمه كما ينبغي أن يقدم الإنسان: روحًا تحلم، وقلبًا يحب، وإرادة تبحث عن مكانها الطبيعي في الحياة.

طوال الفيلم كنت أشعر أن الحكاية تتسع شيئًا فشيئًا. تبدأ من طفل، ثم تصبح حكاية النوبة، ثم تتحول إلى حكاية كل مختلف، وكل مهمش، وكل من اضطر أن يثبت حقه في الوجود أكثر من غيره. ولهذا لم أر الفيلم بوصفه فيلمًا عن المهق فقط، بل عن حق الإنسان في أن يُرى وأن يُحترم.

ما أجمل أن ترى النوبة حاضرة بهذا الصدق. لا كديكور جميل، ولا كخلفية سياحية، ولا كفلكلور جاهز للاستهلاك، بل كجزء أصيل من الشخصية المصرية. بذاكرتها ولهجتها وأغانيها وأحلامها وأوجاعها. كأن الفيلم يذكرنا بهدوء أن مصر ليست لونًا واحدًا ولا صوتًا واحدًا، وأن جمالها الحقيقي في هذا التنوع الإنساني والثقافي الفريد.

أكثر ما شدني أن الفيلم لا يرفع إصبعه في وجه المشاهد، ولا يلقي الخطب، ولا يوزع الدروس الجاهزة. إنه فقط يحكي حكاية بصدق. وحين تُحكى الحكاية بصدق تصبح أكثر تأثيرًا من عشرات الخطب والمحاضرات. ولهذا خرجت منه وأنا أفكر في كل أولئك الذين يعيشون على هامش الصورة الكبيرة: أصحاب الهمم، والأقليات الثقافية، والمختلفون في اللون أو الظروف أو الإعاقة، وكل من ينتظر فرصة عادلة لا أكثر.

تحية للمخرج كريم الشناوي، وللكاتب هيثم دبور، وللفتى الموهوب بدر محمد، ولكل من شارك في هذا العمل الجميل. فقد نجحوا في أن يصنعوا فيلمًا ينتصر للإنسان قبل أن ينتصر للبطل، وينتصر للكرامة قبل أن ينتصر للحكاية.

وأقول لكل من يقرأ هذه السطور: شاهد «ضي». لا لأنك ستشاهد فيلمًا جيدًا فقط، بل لأنك ستلتقي بوجوه ربما لم تنتبه إليها من قبل، وسترى جزءًا من مصر لا يظهر كثيرًا على الشاشات. ستخرج أكثر إيمانًا بأن التنمر جريمة، وأن الاختلاف ليس عيبًا، وأن أصحاب الهمم لا يحتاجون إلى شفقة أحد، بل إلى فرصة عادلة واحترام مستحق.

بعض الأفلام تنتهي مع ظهور كلمة النهاية. أما «ضي» فواحد من تلك الأعمال النادرة التي تبدأ بعد انتهائها، لأنها تترك في القلب سؤالًا بسيطًا وعظيمًا في آن واحد: كم إنسانًا يمر بنا كل يوم… دون أن نمنحه حقه الكامل في أن يُرى؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى