
ربما تكون النتيجة السياسية الأهم للحربين اللتين استهدفتا إيران في يونيو 2025 ثم في فبراير 2026، ليست ما جرى في الميدان العسكري فقط، بل ما كشفته من تحولات داخل واشنطن نفسها بشأن طبيعة العلاقة مع إسرا ئيل وحدود تأثيرها على القرار الأمريكي.
فطوال عقود، كان من الصعب التمييز بين المصالح الأمريكية والمصالح الإسرائيلية في الملفات المتعلقة بمنطقتنا، إلى الحد الذي دفع كثيرين للاعتقاد بأن أي خلاف جوهري بين الطرفين يكاد يكون مستحيلاً.
لكن ما جرى خلال الأشهر الماضية كشف عن تحولات كبرى ولازالت تتفاعل
فبعد أن شاركت الولايات المتحدة بصورة مباشرة في الحرب ضد إيران، تحقيقا لأحلام النتن ياهو وتحمّلت أعباء سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة، بدأت تظهر داخل الإدارة الأمريكية أصوات تقول بوضوح إن السياسة الأمريكية يجب أن تُبنى على أساس المصالح الأمريكية أولاً، لا على أساس ما تريده أي دولة أخرى، مهما كانت درجة التحالف معها.
ولعل أكثر التعبيرات وضوحاً عن هذا التحول جاءت على لسان نائب الرئيس فانس عندما قال:
“إسرائيل، مثلها مثل العديد من الدول الأخرى، تحاول التأثير على السياسة الأمريكية، لكن على القادة الأمريكيين أن يتخذوا قراراتهم انطلاقاً من مصلحة الولايات المتحدة، لا من مصلحة دولة أخرى.”
وأضاف: “إسرا ئيل شريك جيد، كما أن بريطانيا و فرنسا شريكان جيدان، لكن هذا لا يعني أن مصالحنا متطابقة دائماً.”
هذه التصريحات لم تكن مجرد ملاحظات عابرة، بل جاءت في سياق دفاعه عن اتفاق التهدئة والتفاهم مع إيران، رغم الاعتراضات الإسرائيلية عليه.
والأهم من ذلك أن الرئيس ترامب نفسه وجّه خلال الأشهر الأخيرة انتقادات غير مسبوقة لحكومة نتنياهو، وأظهر انزعاجاً متزايداً من محاولات إفشال مسار التفاهم مع إيران، وصولاً إلى خلافات علنية حول لبنان والضاحية الجنوبية وبنود وقف إطلاق النار.
فهل نحن أمام بداية مرحلة جديدة تعود فيها العلاقة الأمريكية الإسرائيلية إلى تعريفها التقليدي باعتبارها علاقة تحالف بين دولتين، بدلاً من التصور الشائع لسنوات بأن المصالح الإسرائيلية جزء لا يتجزأ من تعريف المصلحة الأمريكية نفسها؟
من المبكر الاعتقاد بان هناك تحولات جذرية، فإسرا ئيل ما زالت تمتلك نفوذاً واسعاً داخل المؤسسات السياسية والإعلامية الأمريكية، وما زالت قوى مؤثرة في واشنطن ترى أن أمن إسرائيل جزء من الأمن القومي الأمريكي.
لكن ما حدث خلال الحربين الأخيرتين كشف أيضاً وجود تيار أمريكي صاعد، داخل الحزب الجمهوري خصوصاً، يطرح سؤالاً لم يكن مطروحاً بهذه الصراحة من قبل:
إلى أي مدى ينبغي أن تدفع الولايات المتحدة أثماناً سياسية وعسكرية واقتصادية من أجل سياسات لا تخدم بالضرورة مصالحها المباشرة؟
ربما لم تُحسم المعركة الفكرية والسياسية بعد بين “أمريكا أولاً” و”إسرائيل أولاً”.
لكن المؤكد أن هذه المعركة خرجت إلى العلن لأول مرة بهذا الوضوح، وأن نتائج الحرب على إيران جعلتها واحدة من أهم القضايا التي ستحدد شكل السياسة الأمريكية في منطقتنا خلال السنوات القادمة.







