مقالات وآراء

مصطفى جاويش يكتب: واقعة مستشفى الشاطبي.. العنف التوليدي بين أخلاقيات المهنة وأزمات النظام الصحي

ارتجت أرجاء مصر ومازالت بعد أن قامت طبيبة بنشر واقعة حدثت لها منذ خمس سنوات خلال فترة الامتياز والتي قضتها في مستشفى الشاطبي الجامعي للنساء والتوليد بالإسكندرية؛
حيث تمت الإشارة إلى عدة أمور شملت أنواعا مختلفة من:
1- العنف التوليدي
2- ونقص عدد الأسرة المتاحة للسيدات،
3- وفساد بيئة العمل وغياب حق الخصوصية،
4- وأعربت الطبيبة عن أسفها لضياع فترة شهرين كاملين خلال فترة الامتياز دون أية استفادة علمية أو تدريبية أو مهنية.

كان الاهتمام المجتمعي منصبا على قضية العنف والمعاملة السيئة خاصة للسيدات الفقيرات من عامة المجتمع،
ونظرا لأن المنشور عبارة عن شهادة شخصية لطبيبة تروى وقائع قالت إنها شاهدتها بنفسها أثناء فترة الامتياز.
وهذه الشهادة في حد ذاتها ليست دليلًا قضائيًا نهائيًا،
لكنها أيضًا ليست شيئًا يمكن تجاهله أو السخرية منه.

ولكن ومن ناحية أخرى فإن القضية تشمل عدة محاور هامة نتناولها فيما يلي:
أولا:.. العنف_التوليدي (obstetric violence))؛
ويقصد به إساءة معاملة المرأة أو انتهاك كرامتها أو جسدها أثناء الحمل أو الولادة أو ما بعد الولادة.
لاحظت منظمات دولية من خلال دراسات كثيرة أن بعض النساء حول العالم يصفن تجربة الولادة بأنها كانت مؤلمة نفسيًا بسبب طريقة المعاملة أكثر من الألم الجسدي نفسه.
وقد دعت منظمة الصحة العالمية إلى توفير ما يسمى “الرعاية القائمة على الاحترام أثناء الحمل والولادة”، بحيث تشعر المرأة بالأمان والاحترام وتحصل على المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار بشأن رعايتها.

وقد تم تعريف عدة أشكال للعنف التوليدي تشمل:

  1. العنف الجسدي
  2. العنف الجنسي
  3. العنف اللفظي
  4. الوصم والتمييز
  5. عدم الالتزام بالمعايير المهنية للرعاية الطبية
  6. ضعف التواصل مع المرأة متلقية الخدمة الطبية
  7. نقص الموارد ونقص الخصوصية.
    وبالتالي فإن العنف التوليدي لا يعني مجرد حدوث مضاعفات أو خطأ طبي، بل يشير إلى أي معاملة مهينة أو تمييزية أو إجراء غير مبرر أو يتم دون احترام حقوق المرأة أثناء الحمل والولادة وفترة النفاس.
    وهو مفهوم تناقشه المؤسسات الصحية عالميًا بهدف ضمان أن تكون الولادة تجربة آمنة طبيًا وإنسانية في الوقت نفسه،
    مع الحفاظ على التوازن بين حقوق المريضة واحترام الدور الحيوي الذي يقوم به الفريق الطب،
    حيث أنه من الخطأ القول إن كل شكاوى النساء أثناء الولادة مبالغ فيها،
    ومن الخطأ أيضًا تصوير جميع أطباء النساء والتوليد على أنهم يمارسون العنف ضد المريضات؛
    لأن الواقع هو أن الغالبية العظمى من الأطباء يمارسون عملهم بصورة مهنية ويحملون أعباءً ضخمة،
    وفي الوقت نفسه قد توجد ممارسات فردية أو مؤسسية غير مقبولة تستحق التصحيح والمحاسبة.

وتكشف شهادة الطبيبة عن جانب آخر لا يقل أهمية، وهو جودة تدريب الأطباء الشباب وتأثيره على جودة الرعاية المقدمة للنساء.

ثانيا: الشكوى من ضياع فترة الامتياز دون الحصول على التدريب الإكلينيكي والمهارى لتطبيق الدراسات الطبية واقعيا
ومن الغريب أن تأتى شهادة الطبيبة المشار إليها ؛ بعد أسبوع واحد من حدوث أزمة داخل مستشفى الشاطبي الجامعي ؛
حيث صدر قرار إداري نص على منع دخول أطباء الامتياز لغرف العمليات منعا باتا، وشمل الحظر غرف الطوارئ والجراحات المجدولة والمناظير، مما أثار اعتراضات واسعة من جميع الكوادر الطبية ،وحلا للمشكلة فقد تراجعت الإدارة عن قرارها المعيب ،
في حين أكدت كلية الطب جامعة الإسكندرية في بيان رسمي حرصها الكامل على توفير بيئة تدريبية وتعليمية متميزة لأطباء الامتياز، وفقًا للقواعد والضوابط والأصول الجامعية المعمول بها، وبما يحقق أعلى معايير الجودة في التدريب الإكلينيكي، ويسهم في إعداد كوادر طبية مؤهلة وقادرة على تقديم أفضل مستويات الرعاية الصحية.

وفى حين يرى البعض المشكلة في مجرد قرار إداري خاطئ، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
لأن النظام في مصر يفتقر إلى دراسات علمية دقيقة تقيس أثر هذه الأزمات على المواطن. لذلك، يحتاج المسؤولون إلى ربط الأرقام بالواقع، ليفكك المشكلة ويقدم حلولاً تنظيمية فورية،
حيث تُخرج كليات الطب البشري في مصر (الحكومية والخاصة والأهلية) حوالى 12 ألف طبيب سنوياً ( تصريحات رئيس الوزراء والذى أعلن عن زيادتها إلى تخريج 29 ألف طبيب سنويا بعد 6 سنوات ” ؛
في حين أن الطاقة الاستيعابية للمستشفيات الجامعية قليلة إلى حد كبير ؛ حيث يوجد نحو 125 مستشفى جامعي تتبع 31 جامعة( الجهاز المركزي للإحصاء) ؛
وهذا يعنى مرحلة التشبع والتكدس داخل عنابر المرضى وغرف العمليات ، في حين يجب النظر إلى سنة الامتياز على أنها “جسر آمن” ينقل الطبيب من مقاعد الدراسة النظرية إلى ممارسة المهنة بشكل مستقل، وليس مجرد سنة يقضيها الطبيب في كتابة التذاكر الطبية ونقل التحاليل.

وهنا يبرز دور هيئةالتدريبالإلزامي التابعة للمجلس الصحي المصري بموجب القانون رقم 12 لسنة 2022 ،
وهى الجهة المسؤولة عن وضع معايير التدريب الموحدة، خلال فترة الامتياز ، وحيث أن الطاقة الاستيعابية للمستشفيات الجامعية غير كافية ،
فيجب أن تلتزم وزارة الصحة والسكان بفتح أبواب مستشفياتها المعتمدة، وتلتزم إدارة المستشفيات الجامعية بتنظيم جداول الأطباء والتوقف عن إصدار قرارات المنع العشوائية، وربط تقييم رؤساء الأقسام بمدى التزامهم بخطة التدريب، خاصة وأنه يتم عقد امتحان في نهاية المدة لتقييم مستوى أطباء_الامتياز قبل منحهم تراخيص مزاولة مهنة الطب في مصر.

ثالثا: الشكوى من معاناة السيدات بعد الولادة من نقص عدد الأسرة المتاحة وضمان الخصوصية وجودة الخدمة:
تمتلك مصر حوالي سرير وربع لكل ألف مواطن، بينما يبلغ متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أكثر من أربعة أسرة لكل ألف مواطن.
لكن التحدي لا يقتصر على عدد الأسرة فقط،
بل يشمل التوزيع العادل بين المحافظات،
وتوفير أسرة الرعاية المركزة،
وسد العجز في الأطباء والتمريض،
لأن جودة الخدمة الصحية تعتمد على المنظومة كاملة وليس على عدد الأسرة وحده، ومن الناحية العلمية البحتة، فإن أزمة الرعاية المركزة والطوارئ في مصر أشد أهمية من أزمة الأسرة العادية، لأن معظم الشكاوى الجماهيرية ترتبط بعدم توافر سرير رعاية أو حضانة أو جهاز تنفس أكثر من ارتباطها بعدم وجود سرير إقامة عادي.

ويظل التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين عدد من العناصر الهامة:
1- الزيادةالسكانية والطلب المتزايد على الخدمة الحكومية تحديدا نظرا لزيادة نسبة الفقر وتدنى القدرة المالية للمواطنين 2- التوسع في منظومة التأمينالصحي_الشامل؛ حيث أنه يعتبر الأمل المستقبلي لجميع المصريين ولكن مشكلته هي البطيء الشديد في توسيع المظلة التأمينية حيث أن التغطية لا تتجاوز 6 بالمئة من سكان مصر، ومتوقع أن تصل إلى 12 بالمئة من عدد السكان بحلول عام 2030(تصريحات وزيرة التخطيط).
3- توفير التمويل اللازم للبنية التحتية وتلك من أخطر عناصر المشكلة حيث أن موازنة الصحة تبلغ 1.5 بالمئة فقط من إجمالي الناتج المحلى بالمخالفة لتوصيات منظمة الصحة العالمية؛ جيث يجب ـن تكون في حدود المتوسط العالمي 7.2 بالمئة من إجمالي الناتج المحلى.
4- الحد من هجرة الأطباء والتمريض إلى الخارج؛ وتلك هي أم المشاكل وتتزايد النسبة سنويا، ولاتوجد في الأفق أية بوادر حكومية جادة لمواجهة تلك المشكلة؛
لأن جودة الرعاية الصحة وكفاءة الأداء بالمستشفى لا يُقاس بعدد المباني أو الأسرة فقط، بل بقدرته على استقبال المريض وعلاجه في الوقت المناسب وبجودة مناسبة.

أهمية تفعيل خلاقيات المهنة الطبية في مواجهة ظاهرة العنف التوليدي وفى تحقيق المردود الصحى بجودة عالية:
تتميز المهنة الطبية بأنها علاقة في المقام الأول بين الانسان وربه،ولها أخلاقيات واضحة تتبلور في ” قسم الطبيب ” ؛
وتفعيل كلمات القسم تشمل جميع الأطباء بداية من حديثي التخرج وحتى الوزير وجميع القيادات العليا والوسطى، بما يعنى أن كل واحد منهم قد أقسم على ما يتناسب مع موقعة في المنظومة الصحية ؛
بداية من مقدمي الخدمة الصحية بمستوياتها المختلفة ، ؛
وصولا إلى المسئولين عن تحديد الاحتياجات ووضع الاستراتيجيات،
وتوفير التمويل اللازم،
وضخ ما يلزم للبنية التحتية، وتحسين بيئة العمل، والحد من هجرة الكوادر الطبية، والتركيز على حسن معاملة المرضى بصورة عامة، والحد من العنف التوليدي بجميع أنواعه وأشكاله وجدية بذل الجهد في التعليم والتأهيل واكتساب الخبرات، ويعتبر ميثاق شرف وعقد واجب النفاذ من جميع أعضاء المنظومة الطبية بدرجاتها ووظائفها المختلفة.

حيث يقوم كل فرد بأداء دوره كاملا، وصولا إلى الهدف المحوري وتحقيق الغاية من “قسم الطبيب” على:
” أن أراقب الله في مهنتي. وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال، باذلًا وسعي في استنقاذها من الموت والمرض والألم والقلق، وأن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عوراتهم، وأكتم سرّهم. وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله”.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى