موجة اعتقالات تعسفية وقمع واسع يضرب مدن إيران وسط صمت دولي مريب

تشهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية تصعيداً خطيراً في ممارسات القمع الممنهج ضد المواطنين، حيث كشفت التقارير الحقوقية عن موجة اعتقالات واسعة طالت عشرات الأشخاص في مختلف المدن والأقاليم. وتأتي هذه التحركات الأمنية في وقت تحاول فيه السلطات تصدير صورة من الاستقرار السياسي، بينما تتزايد في الخفاء أحكام الإعدام والضغوط على السجناء السياسيين، وتتعرض الحريات العامة لانتهاكات صارخة تشمل طرد الطلاب من الجامعات ومصادرة ممتلكات المواطنين وقمع العائلات التي تطالب بالعدالة لذويها، مستغلة في ذلك انشغال الرأي العام العالمي بالتطورات الإقليمية.
تتسع دائرة الملاحقات الأمنية لتشمل مناطق شرق كردستان بما فيها إيلام وكرماشان وأورمية وسنه، بالإضافة إلى مدن تبريز وخوزستان وسيستان بلوشستان وأصفهان وطهران وجيلان وتشهارمحال وبختياري وخراسان الشمالية وكرمان وفارس وكهكيلويه وبوير أحمد. وتم نقل المعتقلين إلى مراكز احتجاز أمنية سرية دون مسوغات قانونية، وبمعزل تام عن المحامين ودون إبلاغ عائلاتهم، وهو نهج تعتمده السلطات الإيرانية لتغيب المعارضين والنشطاء عن المشهد في ظل غياب أي ضمانات قانونية تضمن لهم محاكمات عادلة أو حقوقاً إنسانية أساسية.
تتصدر النساء قائمة المستهدفين بهذا القمع، حيث تعاني المحامية غلاله وطندوست من سجن تعسفي يمتد لست سنوات وسبعة أشهر وعشرين يوماً في سجن سنه المركزي، وذلك على خلفية دفاعها عن المتظاهرين. كما سجلت التقارير أسماء ناشطات أخريات مثل سمية أغاياري التي لا تزال محتجزة لدى الحرس الثوري منذ أكثر من 54 يوماً في مكان مجهول، وفاطمة تانداريان التي تواجه ضغوطاً رغم صدور حكم موقوف التنفيذ بحقها، بالإضافة إلى بارستو أحمدي التي حُكم عليها بالسجن 74 جلدة مع منعها من ممارسة نشاطها الفني، جنباً إلى جنب مع بارنيان خوداباخشي وفاطمة خاكبور اللواتي تم فصلهن من جامعة شريف للتكنولوجيا.
يواجه القطاع الجامعي حملة تطهير واسعة، إذ لم تكتفِ السلطات بفصل الطلاب، بل أقدمت على استدعاءات تأديبية مكثفة في جامعة خواجه ناصر الدين الطوسي، بينما حذر طلاب جامعة أصفهان للفنون والمعهد الوطني للهندسة الوراثية من مخاطر نقل مساحات جامعية إلى مؤسسات عسكرية، مؤكدين أن وجود القوات المسلحة بالقرب من مساكن الطالبات يحول بيئاتهم التعليمية إلى أهداف عسكرية ويهدد أمنهم الشخصي بشكل مباشر.
تتفاقم الأوضاع داخل السجون في مدن كرج وكنبد كاووس وتبريز ومشهد وشاهرود وإيفين وفشافويه ودستجرد في أصفهان، حيث تعاني هذه المؤسسات من نقص حاد في المرافق الطبية وندرة الغذاء، بالإضافة إلى سياسات الحبس الانفرادي وعمليات النقل القسرية ومنع الإجازات المرضية، مما دفع بعض السجناء إلى خوض إضرابات عن الطعام كصرخة أخيرة للمطالبة بحقوقهم الأساسية، وهي الإضرابات التي تواجهها السلطات بمزيد من التضييق والممارسات العقابية الوحشية.
تتوسع أذرع النظام لتطال الممتلكات الخاصة، حيث أعلنت السلطات القضائية في كرمان عن مصادرة ممتلكات عدد من المواطنين، وهو النهج الذي تكرر في مهاباد وبوكان وساري، حيث تم الاستيلاء على الهواتف المحمولة والمقتنيات الشخصية ومعدات العمل والوثائق الثبوتية. وفي تبريز، يواجه سجين سياسي من ماليكان حكماً بالإعدام استند بشكل أساسي إلى اعترافات قسرية انتزعت تحت وطأة التعذيب الشديد والضغوط الأمنية، في تكرار لنمط التهم الغامضة كـ “الفساد في الأرض” و”الحرب” و”التجسس” التي تُستخدم كأدوات لتصفية الخصوم.
ينتقد نشطاء المجتمع المدني الموقف الدولي الذي يتسم بالصمت تجاه ما يحدث داخل إيران، مؤكدين أن المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران ماي ساتو، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة العفو الدولية، جميعهم حذروا من استغلال النظام لهذا الفراغ الدولي لتكثيف قمع المعارضين والطلاب والصحفيين والأقليات العرقية والدينية، في اختبار قاسٍ للضمير العالمي الذي يبدو عاجزاً عن وقف هذه الانتهاكات المتصاعدة.






