
ليست المأساة في جريمة تقع هنا أو حادثة تقع هناك، فالجريمة عرفتها كل المجتمعات عبر التاريخ، وإنما المأساة الحقيقية أن يشعر الناس بأن قيمة الإنسان أصبحت مرتبطة بماله أو نفوذه أو مكانته الاجتماعية، وأن الفقير هو الطرف الأضعف دائمًا في معادلة العدالة.
إن الغضب الذي أثارته قضية هدير، بائعة الشاي كما سموها إعلاميًا، لم يكن غضبًا على حادثة فردية فقط، بل لأنه أعاد إلى الواجهة أسئلة مؤلمة تتردد في نفوس ملايين البسطاء:
هل جميع المواطنين متساوون أمام القانون؟
هل يحصل الفقير والغني على الحقوق نفسها؟
هل يشعر الضعفاء أن الدولة تحميهم كما تحمي أصحاب النفوذ؟
وهل أصبحت الفجوة الاجتماعية تتسع بصورة تهدد السلم المجتمعي؟
لقد قامت الدول الحديثة على مبدأ بسيط وواضح: سيادة القانون والمساواة أمام العدالة. فإذا اهتز هذا الشعور في وجدان الناس، تآكلت الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وانتشرت مشاعر الغضب والإحباط والاحتقان.
وقد حذر الإسلام من هذا المعنى تحذيرًا شديدًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» متفق عليه.
فالعدالة لا تُقاس بطريقة التعامل مع الأقوياء، بل بطريقة إنصاف الضعفاء.
إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر وحده، بل شعور الفقير بأنه منسي، وأن كرامته أقل من غيره، وأن صوته لا يُسمع إلا إذا تحولت مأساته إلى قضية رأي عام.
وحين تتراكم الأزمات الاقتصادية، وتزداد الفوارق الطبقية، وتنتشر صور الثراء الفاحش بجوار الفقر الشديد، تنشأ حالة من الاحتقان الاجتماعي قد لا تظهر آثارها فورًا، لكنها تترك جروحًا عميقة في بنية المجتمع.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].
وقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: 41].
إن مصر التي عرفها التاريخ كانت عظيمة بتماسك مجتمعها وشعور أبنائها بأنهم شركاء في الوطن والمصير، أما حين تتحول الثروة والنفوذ إلى أدوات للتمييز بين الناس، وحين يشعر الفقير أنه مواطن من الدرجة الثانية، فإن ذلك يمثل خطرًا على الجميع، الأغنياء قبل الفقراء.
إن العدالة ليست ترفًا سياسيًا، بل هي أساس العمران والاستقرار. وقد قال ابن تيمية: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة”.
ولذلك فإن المطلوب ليس فقط القصاص من الجناة في أي قضية، بل ترسيخ مبدأ أن كرامة الإنسان مصونة، وأن القانون فوق الجميع، وأن دماء الفقراء ليست أرخص من دماء غيرهم، وأن العدالة لا تعرف طبقة ولا نفوذًا ولا وساطة.
عندما ترى أشلاء بائعة الشاي الممزقة على قارعة الطريق من جراء سفاهة بعض صغار أبناء الطبقة المترفة في مصر، ثم تطالع صور الصغار المترفين وهم يخرجون ألسنتهم للجمهور ويستحضرون آباءهم في برود شديد عبر هواتفهم دون أن تبدو على وجوههم ذرة ألم لما وقع، ساعتها تدرك أن مصر الحزينة بحاجة إلى ثورة اجتماعية عميقة تعيد لكل مواطن في هذه البلاد كرامته وإنسانيته مهما كان غنيًا أو فقيرًا.
أيها السادة انتبهوا، فإن الظلم مؤذن بخراب العمران.
رحم الله هدير بائعة الشاي المغدورة، فلعل دماءها توقظ أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا.
ورحم الله كل مظلوم، وجبر كسر المقهورين، وأعاد لمصر وأهلها الأمن والعدل والكرامة، فبالعدل تحيا الأمم، وبالظلم تسقط الحضارات مهما بلغت قوتها.
21/6/2026







