مصر

من «المصير المشترك 2035» إلى «العار المشترك».. حملة إعلامية تستهدف مبادرة أيمن نور بعد لقاء باريس


شهدت الأيام التي أعقبت إعلان الدكتور أيمن نور مبادرة «المصير المشترك 2035» موجة واسعة من الهجمات الإعلامية، انتقلت سريعًا من مناقشة مضمون المبادرة وأهدافها إلى استهداف صاحبها ومكان طرحها، وصولًا إلى اتهامات سياسية وأخلاقية تجاوزت حدود النقد التقليدي.
وتكشف متابعة التسلسل الزمني للأحداث أن الجدل لم يبدأ فور إعلان المبادرة، بل تصاعد بشكل لافت بعد عرضها في باريس وتسليم وثيقتها إلى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي، لتتحول المبادرة من مشروع سياسي مطروح للنقاش إلى مادة لحملة إعلامية ركزت على التشكيك والتخوين بدلًا من مناقشة الأفكار.
ولادة مبادرة المصير المشترك
في 4 يونيو 2026 أعلن الدكتور أيمن نور إطلاق مبادرة سياسية جديدة حملت عنوان «المصير المشترك 2035»، باعتبارها مشروعًا أوروبيًا متوسطيًا للحوار والسلم والتنمية والديمقراطية.
وطرحت المبادرة رؤية تقوم على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، من خلال بناء مساحة مشتركة بين شعوب ودول ضفتي المتوسط خلال العقد المقبل، تقوم على التنمية والاستقرار والديمقراطية والتعاون الإقليمي.
من النشر إلى التحرك السياسي
لم تتوقف المبادرة عند حدود النشر الإعلامي أو التداول الإلكتروني، بل بدأ أصحابها في عرضها على شخصيات ومؤسسات سياسية وبرلمانية معنية بالعلاقات الأوروبية المتوسطية.
وكان الهدف المعلن هو تحويل الوثيقة من نص منشور إلى مشروع مطروح للنقاش أمام دوائر أوسع من صناع القرار والمهتمين بالشأن السياسي في المنطقة.
وخلال هذه المرحلة، بقيت المبادرة في إطارها الطبيعي كمشروع سياسي قابل للقبول أو الرفض أو التعديل، دون أن تثير عاصفة إعلامية واسعة.
لقاء باريس ونقطة التحول
في 8 يونيو 2026 التقى الدكتور أيمن نور رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الفرنسي، وتم خلال اللقاء تسليم وثيقة «المصير المشترك 2035» رسميًا، باعتبارها مبادرة تستهدف فتح حوار أوروبي متوسطي حول مستقبل المنطقة.
كان اللقاء معلنًا وموثقًا، ونشرت صوره ومضمونه بصورة رسمية، لكنه مثل نقطة تحول رئيسية في مسار الأحداث.
فبعده بدأت موجة من الانتقادات والهجمات الإعلامية، لم تركز في معظمها على مضمون المبادرة، بل على مكان تقديمها والجهة التي تسلمتها.
بداية الهجوم
بعد أيام قليلة من لقاء باريس، بدأت تظهر مقالات وبيانات رافضة للمبادرة، وكان اللافت أن معظمها لم يبدأ بتحليل بنود الوثيقة أو مناقشة أهدافها، وإنما انطلق من الاعتراض على طرحها خارج الحدود المصرية والعربية.
وبذلك انتقلت القضية من نقاش سياسي حول مشروع مطروح إلى سجال حول المكان والشرعية والرمزية السياسية.
وفي 18 يونيو 2026 نشر أحد المواقع خبرًا عن رفض حزب الناس لمبادرة أيمن نور من باريس، تحت عنوان ركز على أن مستقبل الشعوب العربية لا يصنع خارج أوطانها، بما عكس بداية واضحة لتحويل النقاش من مضمون المبادرة إلى خلفياتها السياسية.
من النقد إلى التخوين
مع تصاعد التغطيات الإعلامية، تغير الخطاب بصورة ملحوظة، فبعد أن كانت المواد الأولى ترفض المبادرة أو تتحفظ عليها، بدأت تظهر عبارات أكثر حدة مثل «تحركات مشبوهة»، و«أجندات دولية»، و«مصالح شخصية»، و«البحث عن دور سياسي».
هنا انتقل النقاش تدريجيًا من نقد المبادرة إلى التشكيك في دوافع صاحبها، وأصبح التركيز على النوايا أكثر من التركيز على الأفكار.
وبلغ التصعيد ذروته مع نشر مواد إعلامية استخدمت أوصافًا شديدة الحدة، من بينها عنوان «العار المشترك»، في إشارة مباشرة إلى استبدال النقاش السياسي بلغة اتهامية قائمة على أحكام مسبقة.
حملة أم تزامن؟
يصعب الجزم بوجود تنسيق مباشر بين جميع المواد المنشورة، غير أن المتابعة تكشف تقاربًا لافتًا في توقيت النشر، وتشابهًا في الرسائل الأساسية، وتكرارًا للمفردات نفسها، مع تركيز واضح على باريس والعلاقات الدولية، وتجاهل شبه كامل لمضمون المبادرة نفسها.
وتدفع هذه المؤشرات إلى التساؤل حول طبيعة هذا التزامن وحدوده، خاصة أن كثيرًا من المواد المنشورة انشغلت بالهجوم على صاحب المبادرة أكثر من انشغالها بمناقشة الوثيقة.
ما تجاهلته الحملة
رغم كثافة التغطية، بقيت أسئلة جوهرية غائبة عن معظم المواد التي هاجمت المبادرة، من بينها: ما مضمون المبادرة؟ وما أهدافها؟ ومن شارك في التوقيع عليها؟ وما نقاط قوتها وضعفها؟
وأدى غياب هذه الأسئلة إلى تحويل الجدل من مناقشة الأفكار إلى محاكمة الأشخاص، ومن نقد المبادرات إلى التشكيك في النوايا.
حلقة في مسلسل قديم
بالنسبة لمتابعين لمسيرة أيمن نور السياسية، لا تبدو الحملة الحالية حدثًا معزولًا، إذ تعرض خلال سنوات طويلة لسلسلة من الحملات الإعلامية والسياسية، تنوعت بين الشائعات الشخصية والاتهامات السياسية والتشكيك في المواقف والتوجهات.
ومن هنا، يرى مؤيدوه أن ما جرى بعد مبادرة باريس يمثل امتدادًا لنمط سابق من الاستهداف الإعلامي، أكثر من كونه رد فعل استثنائيًا على مبادرة جديدة.
أيمن نور يرد
في خضم الجدل، نشر الدكتور أيمن نور مقالًا بعنوان «لماذا يخشون المصير المشترك؟ الهجوم على مبادرة باريس… ومحنة الحوار في عالم عربي مأزوم»، حاول فيه تقديم رؤيته للهجوم على المبادرة، معتبرًا أن المشكلة لا تكمن في مضمونها بقدر ما تكمن في رفض فكرة الحوار خارج القوالب التقليدية.
وبينما يرى مؤيدو المبادرة أنها محاولة لنقل النقاش من مساحة الصراع السياسي الضيق إلى مساحة المصالح المشتركة بين الشعوب، يصر منتقدوها على التعامل معها من زاوية سياسية مرتبطة بشخص صاحبها ومكان طرحها.
من التشويه إلى السؤال الأهم
قد تختلف الآراء حول مبادرة «المصير المشترك 2035»، وقد يرفضها البعض أو يؤيدها آخرون، لكن الجدل الذي أعقبها كشف مجددًا عن ظاهرة متكررة في المجال العام المصري، تتمثل في الانتقال السريع من مناقشة الأفكار إلى محاكمة الأشخاص.
ويبقى السؤال الأبرز: هل كانت المشكلة حقًا في المبادرة وبنودها، أم أن المشكلة كانت في أن صاحب المبادرة هو أيمن نور؟


المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى