كرمانشان أرض القمح المسلوب: كيف تحول الخبز إلى حلم بعيد المنال

تروي أزقة محافظة كرمانشان حكاية مأساوية تتناقض مع واقعها الجغرافي كواحدة من أهم مناطق إنتاج القمح في إيران، حيث باتت رائحة الخبز الساخن المنبعثة من المخابز تمثل استعذاباً لملايين المواطنين الذين فقدوا القدرة على توفير لقمة العيش اليومية. لم يعد الخبز متاحاً على موائد الكثير من الأسر التي تعاني من فقر مدقع، لدرجة أن البعض بات يفتش بين أكوام النفايات بحثاً عن بقايا طعام، بينما يعيش آخرون على أمل أن يرق قلب عابر سبيل ليدفع عنهم جوع أيام متواصلة من العجز والحرمان.
تتجسد قسوة الواقع في المخابز التي انتشرت على أبوابها لافتات كُتب عليها بخط عريض وحاسم “لا نبيع الخبز بالدَّين”. هذه العبارة الجافة ليست مجرد تنبيه، بل هي شهادة على كارثة اجتماعية حيث تزايدت أعداد الطلبات المتعثرة للحصول على رغيف واحد بالآجل بشكل أرهق أصحاب المخابز ووضعهم في مواجهة يومية مع نظرات المتوسلين الذين لا يملكون ثمن الخبز، مما يعكس انهياراً حاداً في مستوى المعيشة وتآكلاً في القدرة الشرائية لأوسع قطاعات المجتمع تحت وطأة التضخم المتوحش.
تؤكد الأرقام الرسمية حجم التدهور الاقتصادي، إذ قفز مؤشر البؤس في كرمانشان خلال العام الحالي ليصل إلى 75%، محتلة بذلك المرتبة الثانية بعد محافظة سنه التي سجلت مؤشراً بلغ 77%. يُحسب هذا المؤشر بجمع معدلي البطالة والتضخم، وهو ما يعني في لغة الأرقام أن سكان هذه المناطق يواجهون ضغوطاً اقتصادية هي الأشد على مستوى البلاد، حيث ترتفع أسعار السلع الأساسية بسرعة تفوق بكثير قدرة السكان على اللحاق بها، مما يجعل البقاء على قيد الحياة معركة يومية قاسية.
تطرح هذه المعطيات تساؤلات جوهرية حول كيفية تحول محافظة غنية بمواردها الطبيعية وإمكاناتها الزراعية وموقعها الحدودي الاستراتيجي إلى واحدة من أفقر مناطق البلاد. تشير التحليلات إلى أن هذا التناقض ليس وليد المصادفة، بل هو نتاج مباشر لسياسات تخطيطية تتعمد إعادة إنتاج الفقر. وفي علم السياسة، يشار إلى هذه الممارسات بـ “سياسة الفقر”، حيث يتم توظيف الحرمان الاقتصادي كأداة للسيطرة الاجتماعية وفرض حالة من الخضوع على سكان المناطق الكردية التي تصدرت إحصائيات الفقر والبطالة في كرمانشان وسنه وإيلام.
تكشف الإحصاءات الصادرة عن وزارة الزراعة أن محافظتي كرمانشان وكردستان تتربعان على عرش إنتاج القمح، لكن العائدات الاقتصادية لهذه الثروات لا تلامس حياة المواطنين المحليين. تذهب تلك العوائد مباشرة إلى البنى الحكومية والشبكات المرتبطة بها، بينما يترك السكان لمواجهة مصيرهم. ترى الأوساط السياسية أن هذا الإقصاء الممنهج يعود إلى مواقف تاريخية منذ عام 1979، حيث يُنظر إلى إبقاء هذه المناطق في حالة من الفقر المدقع كشكل من أشكال العقاب السياسي الانتقامي الذي يضمن انشغال المواطنين بتدبير لقمة الخبز بدلاً من التفكير في قضاياهم المصيرية.
يؤدي هذا الوضع إلى حالة من الاستنزاف النفسي والاجتماعي، حيث تزرع السياسات القمعية عائقاً داخلياً في وعي الفرد، يحد من قدرته على اتخاذ القرار. لم يعد الفقر في كرمانشان مجرد نقص في الموارد، بل أصبح قيداً إرادياً يضيق أفق الرؤية ويشل حركة المجتمع، محولاً الأرض التي تطعم البلاد إلى بقعة جغرافية يعاني أهلها من الجوع. لقد تحول الجوع إلى أداة لفرض الطاعة، وأصبح الحصول على رغيف خبز بالدَّين معركة خاسرة أمام نظام يجد في إفقار الناس وسيلته المثلى للتحكم في مصائرهم وكسر إرادتهم في المطالبة بأدنى حقوقهم المشروعة في حياة كريمة وعادلة.







