شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: لا تتركوهم يموتون خلف الأسوار

في بعض الجرائم يكون الموت هو النهاية، أما في جريمة التعذيب فالموت قد يكون مجرد محطة أخيرة في رحلة طويلة من الألم. فالضحية لا تُقتل مرة واحدة، بل تُستنزف يومًا بعد يوم، وجرعة بعد أخرى من الوجع، وساعة بعد أخرى من الانتظار، حتى يتحول الجسد إلى ساحة هزيمة بطيئة، وتتحول الروح إلى شاهد صامت على ما لا تستطيع الكلمات وصفه.

ولهذا لم يعد التعذيب في عالمنا المعاصر ذلك المشهد التقليدي المرتبط بالعنف المباشر وحده. فالتعذيب تطور كما تطورت أدوات السلطة. وأصبح أحيانًا أكثر هدوءًا وأكثر قسوة في آن واحد. قد يأتي في صورة باب مستشفى يُغلق في وجه مريض. أو دواء يُمنع عن محتاج إليه. أو شيخ تجاوز السبعين يُترك وحيدًا يصارع أمراض الشيخوخة خلف الجدران. أو أمٍّ تنتظر علاجًا لا يأتي، بينما تتآكل أيامها بين الأسوار الحديدية.

منذ أن عرف الإنسان السجون، عرفت السلطة إغراء الإفراط في استخدامها. ومن أقبية القرون الوسطى إلى معتقلات القرن الحادي والعشرين، ظل التعذيب الوجه الأكثر قبحًا في علاقة القوة بالإنسان. لكن البشرية، بعد قرون من الدموع والآلام، توصلت إلى حقيقة بسيطة وعظيمة: لا دولة تصبح أقوى بالتعذيب، ولا عدالة تُبنى على الألم، ولا أمن يستقر فوق أجساد المقهورين.

ولهذا جاءت المواثيق الدولية، من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، لتعتبر التعذيب جريمة مطلقة لا يبررها ظرف استثنائي ولا حرب ولا حالة طوارئ ولا أوامر رؤساء. فالكرامة الإنسانية ليست منحة تمنحها الدولة متى شاءت وتسحبها متى شاءت، بل حق أصيل يولد مع الإنسان ويبقى معه حتى آخر لحظة في حياته.

غير أن المشكلة الكبرى في كثير من التشريعات الوطنية لا تزال تكمن في ضيق تعريف الجريمة نفسها. فبينما يتسع القانون الدولي ليشمل كل معاناة جسدية أو نفسية متعمدة، ما زالت بعض النصوص المحلية تحصر التعذيب في صور محددة أو تربطه بهدف انتزاع اعتراف أو معلومة. وهنا تنشأ أخطر الثغرات؛ لأن الجريمة تقع، لكن القانون يعجز عن الإمساك بها، والضحية تتألم، لكن النص لا يعترف بما وقع عليها.

وأذكر أنني في منتصف ثمانينيات القرن الماضي خضت، من خلال عملي الصحفي، واحدة من أهم المعارك المتعلقة بكشف وقائع التعذيب داخل السجون وأماكن الاحتجاز. كانت الشهادات التي وصلت إلينا آنذاك صادمة وموجعة إلى حد لا يسمح بالصمت. وبعد سلسلة من التحقيقات والمتابعات أُحيل أربعة وأربعون ضابطًا من مباحث أمن الدولة ومصلحة السجون إلى المحاكمة الجنائية.

يومها ظن كثيرون أن العدالة اقتربت أخيرًا من أبواب السجون. لكن الواقع كان أكثر مرارة. فقد تدخلت عوامل عديدة، واستفادت منظومة الاتهام من ثغرات تشريعية واسعة، كما عجز كثير من الضحايا عن إثبات ما تعرضوا له داخل أماكن مغلقة لا شهود فيها إلا الجدران. وانتهت المحاكمات إلى البراءة، ليس لأن الألم لم يكن موجودًا، بل لأن القانون لم يكن قادرًا على احتوائه، ولأن تعريف الجريمة كان أضيق من حجم المأساة.

وبعد سنوات طويلة وجدت نفسي أنتقل من موقع المدافع عن الضحايا إلى موقع من يختبر بنفسه قسوة السجون والاعتقالات. واكتشفت أن التعذيب ليس دائمًا ما تلتقطه الكاميرات أو تسجله التقارير الطبية. هناك تعذيب آخر أكثر خفاءً؛ تعذيب الانتظار، وتعذيب الحرمان، وتعذيب العزلة، وتعذيب رؤية المرض ينهش الجسد بينما تقف الإجراءات البيروقراطية حائلًا بين الإنسان وحقه في العلاج.

ومن هنا تكتسب حملة «الإهمال الطبي تعذيب ممنهج» أهمية خاصة. فالقضية لم تعد مجرد ملف حقوقي، بل قضية حياة أو موت. قضية رجال ونساء تجاوز كثير منهم أعمارًا كان يفترض أن يقضوها بين أحفادهم وأسرهم لا بين الجدران والأسلاك. قضية مرضى ينتظرون علاجًا عاجلًا، وآخرين تتدهور أوضاعهم الصحية بينما تتآكل فرص إنقاذهم يومًا بعد يوم.

إنني لا أتحدث هنا عن موقف سياسي، بل عن موقف إنساني وأخلاقي قبل كل شيء. فالقوانين المصرية نفسها تعرف الإفراج الصحي، وتعرف الإفراج الشرطي، وتعرف نظام قضاء نصف المدة، وتعرف الاعتبارات الإنسانية المرتبطة بالسن والمرض والعجز. وهذه النصوص لم توضع للزينة، بل وُضعت لتُطبق عندما تصبح حياة الإنسان وكرامته في خطر.

ما الذي يمكن أن يخسره المجتمع إذا عاد شيخ مريض إلى أسرته في سنواته الأخيرة؟ وما الذي تضيفه العدالة حين تتحول الشيخوخة إلى عقوبة إضافية فوق العقوبة؟ وما المكسب الذي يتحقق من بقاء امرأة مريضة أو مسنّة خلف القضبان بينما يتدهور وضعها الصحي كل يوم؟

إن كبار السن والمرضى والنساء، خصوصًا في القضايا ذات الطابع السياسي، يحتاجون اليوم إلى مراجعة شاملة وإنسانية لملفاتهم. ليس من باب الاستثناء، بل من باب تطبيق القانون ذاته. وليس من باب الشفقة، بل من باب العدالة. فالدولة القوية لا تثأر من المرضى، والدولة الواثقة من نفسها لا تخشى الرحمة.

إن السجون لا ينبغي أن تتحول إلى دور انتظار للموت. ولا يجوز أن يصبح المرض حكمًا إضافيًا غير منصوص عليه في أي قانون. ولا ينبغي أن تتحول الزنازين إلى أماكن يودع فيها البشر أعمارهم الأخيرة بعيدًا عن الشمس والعلاج والعائلة.

في اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، تبقى الرسالة أبسط من كل النصوص القانونية وأبلغ من كل الخطب السياسية: لا تتركوهم يموتون خلف الأسوار.
افتحوا أبواب الرحمة قبل أن تفتح أبواب النعوش.
أعيدوا المرضى إلى أسرهم قبل أن تعود إليهم أجسادهم.
فالعدالة التي تعرف الرحمة أقوى من العقاب، والدولة التي تحمي الكرامة الإنسانية أبقى من كل السجون.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى