د. أيمن نور يكتب: دولة شريكة لا وصية… ومنظمة لا متسلطة… وقادرة لا متغولة. مصر الممكنة 2030

كل جيل يطرح على نفسه السؤال ذاته بصيغة مختلفة: ما الدولة التي نريد؟ لكن الإجابة لا تأتي أبدًا من فراغ، بل من حصيلة قرون من التجربة الإنسانية، ومن تراكم طويل من الأفكار التي صاغتها الفلسفة والسياسة والاقتصاد والاجتماع. وربما كان القرن العشرون أكثر القرون ازدحامًا بهذا الجدل الكبير؛ جدل الدولة والسوق، الحرية والسلطة، الفرد والجماعة، العدالة والكفاءة، المركزية والتعددية.
لم تكن هذه المعارك الفكرية ترفًا أكاديميًا كما يتصور البعض، بل كانت وراء تشكيل الدول الحديثة وصناعة مصائر الشعوب. فالأفكار التي تُكتب في الكتب اليوم قد تتحول غدًا إلى دساتير، والقناعات التي يتداولها المفكرون قد تصبح بعد سنوات سياسات عامة تؤثر في حياة الملايين.
خلال رحلتي الفكرية والسياسية الممتدة منذ أكثر من أربعة عقود، نائبًا برلمانيًا، ورئيس حزب، وفاعلًا في الحياة العامة، ظل سؤال الدولة يشغلني أكثر من أي سؤال آخر. وربما لهذا كتبت في مطلع التسعينيات كتابًا حمل عنوان «الليبرالية هي الحل»، لا باعتبار الليبرالية وصفة سحرية أو عقيدة مغلقة، بل باعتبارها محاولة للإجابة عن معضلة عربية مزمنة: كيف نحمي الحرية دون أن نهدم الدولة؟ وكيف نبني دولة قوية دون أن تتحول إلى سلطة مطلقة؟
كانت التجارب الكبرى في القرن الماضي أشبه بمختبر إنساني واسع. هناك من آمن بأن المجتمع قادر على تنظيم نفسه عبر التعددية السياسية والنقابية والمجتمعية، وأن الدولة ينبغي أن تكون حكمًا بين المصالح المختلفة لا طرفًا فيها. وهناك من رأى أن السلطة الحقيقية تظل دائمًا في يد أقلية منظمة مهما تعددت الانتخابات والشعارات. بينما ذهبت مدارس أخرى إلى أن السياسة ليست سوى انعكاس لصراعات الاقتصاد والثروة وتوزيع القوة داخل المجتمع.
ومع اختلاف هذه المدارس، فإنها جميعًا قدمت جوانب من الحقيقة، لكنها لم تمتلك الحقيقة كاملة. فالدولة ليست مجرد جهاز إداري، وليست مجرد أداة في يد طبقة أو نخبة، وليست كذلك كيانًا محايدًا بالكامل. إنها كائن اجتماعي وسياسي معقد، يتأثر بالاقتصاد والثقافة والتاريخ والوعي الجمعي وموازين القوة الداخلية والخارجية في آن واحد.
ومن هنا جاءت أهمية الفكر الليبرالي بوصفه محاولة مستمرة للبحث عن التوازن. فالليبرالية التي أعرفها وأؤمن بها لم تكن يومًا دعوة لهيمنة رأس المال، كما يصورها خصومها، ولم تكن انحيازًا للأغنياء ضد الفقراء، بل كانت دفاعًا عن الإنسان الفرد بوصفه القيمة الأعلى في المجتمع. إنها فلسفة ترى أن الدولة وجدت لخدمة المواطن، لا أن يوجد المواطن لخدمة الدولة.
الليبرالية الحقيقية لا تقيس قوة الدولة بعدد السجون ولا بحجم الأجهزة ولا بقدرتها على السيطرة، بل بقدرتها على احترام القانون، وضمان الحقوق، وإتاحة الفرص، وصون الكرامة الإنسانية. وهي لا تخاف من المجتمع المدني، ولا من الأحزاب، ولا من النقابات، ولا من الصحافة الحرة، لأن هذه المؤسسات ليست خصومًا للدولة، بل ضمانات لبقائها قوية ومتوازنة.
ولعل واحدة من أكبر أخطاء العالم العربي خلال العقود الماضية أنه ظل يتأرجح بين نموذجين متناقضين؛ دولة متغولة تلتهم المجتمع باسم الأمن والاستقرار، أو دولة ضعيفة تتراجع عن مسؤولياتها الأساسية باسم الإصلاح الاقتصادي. وفي الحالتين كان المواطن هو الخاسر الأكبر.
الدولة المتغولة تنتج الخوف والبيروقراطية والجمود، وتقتل المبادرة والإبداع. والدولة الغائبة تفتح الطريق للاحتكار والفوضى وتآكل العدالة الاجتماعية. أما الدولة الممكنة التي نبحث عنها فهي شيء مختلف تمامًا: دولة تعرف حدودها كما تعرف واجباتها، وتمارس السلطة باعتبارها تكليفًا لا امتيازًا، ومسؤولية لا غنيمة.
لقد تعلم العالم من تجارب القرن العشرين أن التنمية لا تزدهر في مناخ الخوف، وأن الاقتصاد لا ينهض في ظل غياب القانون، وأن الاستقرار الحقيقي لا تصنعه القبضة المغلقة بل الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. كما تعلم أن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل منظومة متكاملة من الحقوق والضمانات والمؤسسات والرقابة والمحاسبة.
وفي مصر تحديدًا، تبدو هذه الدروس أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فبلد بحجم مصر وتاريخها وموقعها لا يمكن أن يُدار بعقلية الإدارة اليومية للأزمات، ولا بمنطق الخوف من المجتمع، ولا بالاعتماد على المركزية المفرطة التي تستنزف الدولة نفسها قبل أن تستنزف المواطنين.
إن مصر الممكنة التي نحلم بها ليست دولة أقل حضورًا، بل دولة أكثر كفاءة. ليست دولة أقل قوة، بل دولة أكثر شرعية. ليست دولة أقل قدرة على الإنجاز، بل أكثر قدرة على إشراك المواطنين في صنع الإنجاز نفسه.
وحين أتأمل خبرة العقود الماضية، وما شهدته من انتصارات وإخفاقات، ومن مواقع في البرلمان والحزب والمعارضة والعمل العام، أزداد يقينًا بأن الأزمة الحقيقية لم تكن يومًا في نقص الموارد ولا في ضعف الإمكانات البشرية. كانت دائمًا في غياب العلاقة المتوازنة بين الدولة والمجتمع، وفي الخلط بين قوة الدولة وقوة السلطة، وبين هيبة المؤسسات وهيمنة الأفراد.
لهذا فإن السؤال المركزي في مشروع «مصر الممكنة 2030» ليس كيف نكبر حجم الدولة أو كيف نقلصه، بل كيف نجعلها أكثر عدالة وكفاءة وشفافية ومساءلة. ليس كيف تفرض إرادتها على المجتمع، بل كيف تصبح شريكًا له في صناعة المستقبل.
فالدولة التي نحتاجها ليست دولة وصاية، بل دولة شراكة. ليست دولة تخشى مواطنيها، بل تستمد قوتها منهم. ليست دولة متغولة فوق المجتمع، ولا غائبة عنه، بل دولة منظمة لا متسلطة، وقادرة لا متغولة، وعادلة لا منحازة.
تلك ليست أمنية شاعر، ولا حلم معارض، ولا ترف مفكر. إنها خلاصة ما انتهت إليه تجارب الأمم التي نجحت في الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل. وهي أيضًا الطريق الأقصر إلى مصر التي نستحقها… ومصر التي يمكن أن تكون.







