د. أيمن نور يكتب: مصر الخضراء 2030… رؤية للمستقبل . مصر الممكنة 2030 (23) الزراعة والغذاء والمياه (8)

بقلم د. أيمن نور
على امتداد هذا الفصل تنقلنا بين الماء والأرض والفلاح والغذاء والتصنيع الزراعي. وربما بدا للقارئ أن الحديث يدور حول ملفات متفرقة، لكن الحقيقة التي ترسخت لدي عبر سنوات العمل السياسي والبرلماني، أن هذه القضايا جميعًا ليست سوى وجوه مختلفة لقضية واحدة: كيف تستطيع مصر أن تؤمن مستقبلها في عالم يزداد تعقيدًا واضطرابًا؟
كثير من الأمم تمتلك خططًا زراعية، وكثير منها يمتلك برامج للري أو التوسع الزراعي أو الأمن الغذائي. لكن الأمم التي تنجح حقًا هي تلك التي تمتلك رؤية متكاملة تربط هذه العناصر جميعًا داخل مشروع وطني واحد. فالمشكلة في مصر لم تكن يومًا نقص الأفكار، بقدر ما كانت في غياب الإطار الذي يجمعها ويمنحها الاستمرارية والاتساق.
خلال العقود الماضية تعاقبت حكومات ووزراء وخطط واستراتيجيات متعددة. بعضها حقق نجاحات مهمة، وبعضها تعثر أو توقف أو تبدلت أولوياته. لكن الزراعة بطبيعتها لا تعمل بمنطق السنوات القصيرة. فالفدان الذي نزرعه اليوم قد لا تظهر ثماره الكاملة إلا بعد سنوات، والسياسة الزراعية الناجحة هي التي تفكر بعقلية الأجيال لا بعقلية الموازنات السنوية.
لهذا فإن مصر الممكنة تحتاج إلى ما أسميه “العقد الزراعي الجديد”. عقد غير مكتوب بين الدولة والفلاح والمستثمر والباحث العلمي والمستهلك. عقد يقوم على أن الزراعة ليست قطاعًا هامشيًا في الاقتصاد، بل أحد أعمدة الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.
حين ننظر إلى تجارب الدول التي حققت طفرات زراعية خلال العقود الأخيرة، نجد أنها لم تبدأ من الأرض فقط، بل بدأت من الرؤية. الصين لم تصبح قوة زراعية بسبب المساحات وحدها، بل بسبب التخطيط طويل المدى. والبرازيل لم تتحول إلى عملاق زراعي بسبب المناخ وحده، بل بسبب الاستثمار في البحث العلمي والبنية التحتية وسلاسل القيمة. وحتى المغرب القريب منا نجح في تحقيق قفزات مهمة لأنه تعامل مع الزراعة باعتبارها مشروع دولة لا مجرد نشاط اقتصادي.
مصر تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة على تحقيق نجاح مماثل وربما أكبر. فلدينا موقع جغرافي استثنائي يربط بين ثلاث قارات. ولدينا خبرة زراعية تراكمت عبر آلاف السنين. ولدينا سوق داخلية ضخمة. ولدينا كوادر علمية ومراكز بحثية قادرة على الإبداع. كما نمتلك شبكة بنية أساسية تطورت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة ويمكن أن تشكل قاعدة مهمة للانطلاق.
لكن امتلاك المقومات لا يعني بالضرورة تحقيق النتائج. فكم من دول امتلكت الموارد وأهدرتها، وكم من دول كانت مواردها أقل لكنها أحسنت استخدامها. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام مصر ليس في اكتشاف الفرص، بل في القدرة على إدارتها وتحويلها إلى سياسات مستدامة.
ومن واقع الخبرة السياسية أرى أن أول خطوة في هذا الطريق هي استقرار السياسات الزراعية الكبرى. فالمزارع الذي يزرع شجرة فاكهة تحتاج سنوات حتى تثمر، والمستثمر الذي يضخ أموالًا في مشروع زراعي أو صناعي طويل الأجل، يحتاجان إلى وضوح الرؤية واستقرار القواعد. ولا شيء يضر بالاستثمار الزراعي أكثر من التغيرات المفاجئة أو الرسائل المتناقضة.
كما أن مصر تحتاج إلى إعادة الاعتبار للبحث العلمي الزراعي بوصفه استثمارًا لا إنفاقًا. فالتحديات التي تواجه الزراعة خلال العقود المقبلة لن تُحل بالوسائل التقليدية وحدها. التغير المناخي، وندرة المياه، وتزايد الطلب على الغذاء، كلها قضايا تحتاج إلى أصناف جديدة من المحاصيل، وتقنيات أكثر تطورًا، وإدارة أكثر ذكاءً للموارد.
وأرى أن الوقت قد حان لإنشاء برنامج وطني للابتكار الزراعي يربط الجامعات ومراكز البحوث بالحقول والمزارع والمشروعات الإنتاجية. فالمعرفة التي تبقى حبيسة المكاتب لا تصنع تنمية، والبحث العلمي الحقيقي هو الذي يتحول إلى تطبيقات وسياسات ومشروعات على الأرض.
كما أقترح أن تتبنى الدولة هدفًا استراتيجيًا واضحًا يتمثل في مضاعفة القيمة الاقتصادية للقطاع الزراعي بحلول عام 2030، لا من خلال زيادة المساحات فقط، بل من خلال رفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة والتوسع في التصنيع الزراعي وزيادة الصادرات عالية القيمة.
قضية أخرى لا تقل أهمية تتمثل في الريف المصري نفسه. فالتنمية الزراعية لا يمكن أن تنجح إذا ظل الريف طاردًا لأبنائه. وخلال زيارات كثيرة لقرى مصر كان واضحًا أن الشاب الريفي لا يترك الزراعة لأنه يكره الأرض، بل لأنه يبحث عن فرصة أفضل وحياة أكثر استقرارًا. ولهذا فإن تطوير التعليم والخدمات الصحية والبنية الرقمية وفرص العمل في الريف يجب أن يكون جزءًا من أي استراتيجية زراعية جادة.
كما أن التحول الرقمي يمكن أن يلعب دورًا كبيرًا في مستقبل الزراعة المصرية. فالمعلومات أصبحت موردًا لا يقل أهمية عن المياه أو الأرض. والمزارع الذي يعرف الأسعار والطقس والأسواق وتوصيات الخبراء في الوقت المناسب يصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح وتحقيق عائد أفضل.
ومن المقترحات التي أراها ضرورية أيضًا إنشاء مرصد وطني للأمن الغذائي والتنمية الزراعية يصدر تقريرًا سنويًا يرصد أوضاع الأراضي والمياه والإنتاج الزراعي والتجارة الغذائية ومؤشرات الأمن الغذائي. فالدول الناجحة لا تدير ملفاتها الاستراتيجية بالانطباعات، بل بالمعلومات الدقيقة والمتابعة المستمرة.
مصر الخضراء التي نتحدث عنها ليست حلمًا رومانسيًا عن حقول أوسع وأشجار أكثر فحسب. إنها رؤية لدولة أكثر قدرة على إنتاج غذائها، وأكثر كفاءة في إدارة مواردها، وأكثر عدالة تجاه فلاحيها، وأكثر قدرة على خلق فرص العمل والثروة من أرضها ومياهها وعقول أبنائها.
وربما كان أهم ما تعلمته من التجارب الدولية ومن سنوات العمل العام أن الأمم لا تُبنى بالموارد وحدها، بل بالرؤية التي تحسن استخدام هذه الموارد. ومصر تملك من الموارد والإمكانات ما يكفي، لكن ما تحتاجه أكثر من أي وقت مضى هو وضوح الاتجاه واستمرار الإرادة.
لهذا فإن مستقبل الزراعة المصرية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره قضية تخص الفلاحين وحدهم، أو وزارة بعينها، أو قطاعًا اقتصاديًا محددًا. إنه قضية وطن بأكمله. فحين تنجح الزراعة ينعكس أثرها على الغذاء والصناعة والتجارة والتشغيل والاستقرار الاجتماعي. وحين تتعثر يدفع الجميع الثمن بصورة أو بأخرى.
مصر الممكنة 2030 ليست مجرد عنوان لكتاب أو سلسلة مقالات. إنها دعوة للتفكير في المستقبل بمنطق مختلف. والزراعة كانت وستبقى أحد أهم أبواب هذا المستقبل. فإذا نجحنا في إدارة الماء، وحماية الأرض، وإنصاف الفلاح، وتحقيق الأمن الغذائي، وربط الزراعة بالصناعة والتكنولوجيا، فإننا لا نبني قطاعًا ناجحًا فقط، بل نضع حجرًا أساسيًا في بناء مصر التي نستحقها جميعًا.







