مقالات وآراء

سلام الكواكبي يكتب: حين تتحول المظلومية إلى أداة للتمييز

تُعتبر العنصرية من أخطر الظواهر الاجتماعية التي واجهتها البشرية عبر تاريخها، لما تتركه من آثار عميقة على الأفراد والمجتمعات والدول. فهي لا تقتصر على مشاعر سلبية نحو الآخرين، بل تظهر في ممارسات وسلوكيات وخطابات تتضمن التمييز بين البشر بحسب أصولهم، أو ألوانهم، أو أديانهم، أو مذاهبهم، أو أعراقهم، أو انتماءاتهم المختلفة. رغم أن الكثير من الناس يعلنون رفضهم للعنصرية عندما يكونون أو تكون جماعتهم ضحية لها، فإن هذا الرفض لا يعني بالضرورة أنهم لا يحملون نزعات العنصرية في تعاملهم مع الآخرين.

إن مواجهة عنصرية الآخرين ضدك أو ضد أفراد جماعتك لا يمنحك تلقائيًا صفة المناهض للعنصرية. كما أن التصدي للتمييز لا يتطلب ممارسة تمييز مضاد، لأن العنصرية تبقى عنصرية مهما تغيرت الجهة التي تمارسها أو المبررات المقدمة لها. إن الموقف الحقيقي من العنصرية يُقاس بمدى الالتزام بمبدأ المساواة الإنسانية بصورة شاملة، لا بمدى الدفاع عن جماعة بعينها. فالإنسان الذي يرفض التمييز عندما يستهدفه، ثم يمارسه ضد غيره، لا يكون قد تجاوز العنصرية، بل أعاد إنتاجها في صورة مختلفة. ولهذا فإن مناهضة العنصرية ليست موقفًا انتقائيًا مرتبطًا بالمصلحة أو الانتماء، وإنما هي موقف أخلاقي ثابت يقوم على رفض الظلم والتمييز تجاه أي إنسان.

تاريخيًا، شهدت المجتمعات البشرية أشكالًا متعددة من العنصرية. بعضها ارتبط باللون أو الأصل العرقي، بينما ارتبط البعض الآخر بالدين، أو اللغة، أو الثقافة، أو الطبقة الاجتماعية. في كل مرة، كانت العنصرية تستند إلى فكرة واحدة، وهي الاعتقاد بتفوق جماعة على أخرى أو استحقاقها لحقوق وامتيازات لا تُمنح لغيرها. هذه الفكرة هي جوهر العنصرية، بغض النظر عن الشكل الذي تتخذه أو الشعارات التي ترفعها.

في العالم العربي، يتم الحديث غالبًا عن العنصرية باعتبارها مسألة دخيلة أو ذات تأثير محدود مقارنة بمناطق أخرى من العالم. لكن الواقع يظهر أن أشكالًا مختلفة من التمييز كانت موجودة في المجتمعات العربية منذ فترة طويلة، رغم اختلاف درجاتها وصورها من بلد لآخر. بعض المجتمعات العربية شهدت مظاهر من التمييز القبلي أو العرقي أو المناطقي. كما ظهرت أحكام مسبقة وصور نمطية تجاه مجموعات معينة بناءً على الأصل أو اللون أو الانتماء الاجتماعي.

ومع تطور الدولة الحديثة وتغير الظروف السياسية والاجتماعية، لم تختف هذه الظواهر تمامًا. بل تحولت في بعض الأحيان إلى أشكال أكثر تعقيدًا. ومن أخطر هذه التحولات هو اندماج العنصرية بالطائفية، مما جعل الانتماء المذهبي أو الديني في بعض البيئات سببًا إضافيًا للتمييز والإقصاء. عندما تمتزج النظرة العنصرية بالنظرة الطائفية، لا يقتصر الخلاف على الاختلاف الفكري أو الديني فقط، بل يتحول إلى حكم مسبق على الفرد وقيمته وحقوقه بناءً على انتمائه.

وقد ساهمت التحولات السياسية والصراعات الإقليمية خلال العقود الأخيرة في تعميق هذه الظاهرة في عدد من البلدان العربية. فبدلًا من ترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية، جرى في الكثير من الحالات تعزيز الانقسامات الطائفية والعرقية واستخدامها في الصراعات السياسية. ومع مرور الوقت، أصبحت بعض الخطابات العامة تقوم على تصنيف الناس إلى جماعات متنافسة، لكل منها روايتها الخاصة ومظلوميتها الخاصة ونظرتها السلبية إلى الآخرين.

إن النتيجة الطبيعية لهذا التداخل بين العنصرية والطائفية هي ظهور مجتمع متخلخل يفتقر إلى الثقة المتبادلة بين مكوناته. ففي المجتمعات التي تُقدَّم فيها الهوية الطائفية أو العرقية على الهوية الوطنية، تتراجع قيم المواطنة المشتركة لصالح الولاءات الضيقة. ويبدأ الأفراد بالنظر إلى بعضهم البعض من خلال الانتماءات الموروثة بدلًا من النظر إلى كفاءاتهم وأخلاقهم وأفعالهم. وعندما يحدث ذلك، يضحو المجتمع أكثر هشاشة وأقل قدرة على مواجهة التحديات المشتركة.

ولا تقتصر خطورة هذه الظاهرة على الجانب الاجتماعي فقط، بل تمتد إلى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. فالدولة التي تعاني من انقسامات حادة تجد صعوبة أكبر في تحقيق التنمية والاستقرار، لأن جزءًا كبيرًا من طاقتها يُستهلك في إدارة الصراعات الداخلية بدلًا من توجيهه نحو البناء والتقدم. كما أن انتشار التمييز يؤدي إلى إقصاء فئات من المجتمع عن المشاركة الكاملة في الحياة العامة، وهو ما يحرم الدولة من الاستفادة من طاقات أبنائها جميعًا. كما يدفع بالمستثمر الأجنبي للهروب من مسرح الاصطفاف المفروض.

ومن أكثر الظواهر إثارة للانتباه في قضايا العنصرية والطائفية حالة التناقض التي يقع فيها بعض الأفراد والجماعات، إذ يرفضون التمييز بشدة عندما يكونون هم المستهدفين به، لكنهم قد يغضون الطرف عنه أو يجدون له المبررات عندما يقع على غيرهم. إن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا تكتسب المبادئ قيمتها إلا عندما تُطبّق على الجميع من دون استثناء. أما حين يصبح الظلم مرفوضًا في حالة ومقبولًا في حالة أخرى، فإن الحديث عن حقوق الإنسان والمساواة يفقد معناه.

إن رفض العنصرية لا ينبغي أن يرتبط بهوية الضحية، بل بالمبدأ نفسه. فالشخص الذي يؤمن فعلًا بالمساواة لا يرفض التمييز لأنه أصابه أو أصاب جماعته فحسب، وإنما لأنه يرى فيه انتهاكًا لكرامة الإنسان أيًّا كان هذا الإنسان. فالقيمة الإنسانية لا تُقاس باللون، أو الأصل، أو الدين، أو المذهب، وإنما بالحق المشترك في الكرامة والاحترام والمعاملة العادلة.

ولعل التجربة السورية خلال السنوات الأخيرة تقدم مثالًا واضحًا على هذه الإشكالية، حيث تداخلت مشاعر المظلومية مع الانقسامات الطائفية والهوياتية، ما جعل بعض أشكال التمييز تُبرَّر تحت شعارات الدفاع عن الذات أو ردّ المظالم. فالدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من التجربة السورية، هو أن المظلومية لا تمنح أحدًا تفوقًا أخلاقيًا دائمًا، ولا تعفي أي جماعة من مراجعة خطابها ومواقفها تجاه الآخرين. فالمجتمعات لا تُبنى على تنافس الضحايا في سرد آلامهم، بل على الاعتراف المتبادل بالمعاناة والالتزام بمبدأ العدالة للجميع. وعندما يصبح ألم الجماعة مبررًا لإقصاء جماعة أخرى، تنتقل المجتمعات من دائرة الظلم إلى دائرة جديدة من إنتاجه، وتغدو المظلومية نفسها أداة من أدوات التمييز بدل أن تكون حافزًا لتجاوزه.

إن مواجهة العنصرية لا تقتصر على إدانة الخطابات المتشددة أو إصدار القوانين التي تجرّم التمييز، على الرغم من أهمية هذه الخطوات. فالمشكلة أعمق من ذلك، لأنها ترتبط بثقافة اجتماعية وبأفكار راسخة تتناقلها الأجيال أحيانًا دون تمحيص. لذلك فإن أي معالجة حقيقية تقتضي ترسيخ ثقافة قبول الآخر، وتعزيز قيم المواطنة، وتشجيع النظرة إلى الناس بوصفهم أفرادًا متساوين في الحقوق والواجبات لا أعضاء في جماعات متنافسة.

لا تزال العنصرية بأشكالها المختلفة تمثل عائقًا أمام بناء مجتمعات مستقرة ومتماسكة. ولن يكون تجاوزها ممكنًا عبر استبدال تمييز بتمييز آخر، أو عبر الدفاع عن الضحايا وفق اعتبارات الانتماء والهوية. فالاختبار الحقيقي لأي موقف أخلاقي يكمن في ثباته واتساقه؛ أي في رفض الظلم أينما وقع وعلى أي شخص وقع. وعندما يتحول هذا الفهم إلى جزء من الوعي العام، يصبح من الممكن الحديث عن مجتمع أكثر عدلًا وقدرة على التعايش واحترام التنوع.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى