مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: النهاية أم بداية مرحلة جديدة؟ كذبة الحل والانفجار المؤجل في الشرق الأوسط

ما يتشكل في المنطقة اليوم لا يمكن قراءته بوصفه اتفاقًا تقليديًا أو تهدئة مؤقتة بين الخصوم، بل باعتباره نموذجًا متكاملًا لإدارة صراع طويل الأمد، تُعاد فيه هندسة الجبهات وتوزيع الأدوار بدقة شديدة. فبينما تظهر التهدئة في نقطة معينة، يجري التصعيد في نقطة أخرى، فيما يستمر الاستنزاف البطيء تحت غطاء سياسي وإعلامي محسوب بعناية.

هذا النموذج ليس جديدًا بالكامل، بل يمثل إعادة إنتاج لأنماط سابقة من إدارة الصراعات في المنطقة، وإن كان بأدوات أكثر تعقيدًا ونطاق جغرافي أوسع. ويبرز هنا بوضوح ما يشبه سيناريو اتفاقية شرم الشيخ، حيث قُدّمت تهدئة ظاهرية في غزة، بينما فُتحت جبهات موازية في لبنان وإيران، واستمر التوسع العسكري والاستنزاف بعيدًا عن الأضواء الإعلامية. الفرق اليوم أن المسرح الإقليمي أصبح أكثر اتساعًا، وأن عدد اللاعبين المنخرطين في المعادلة ازداد بشكل غير مسبوق.

إدارة الصراع لا إنهاؤه

على مستوى القرار الدولي، تبدو واشنطن حريصة على الدفع نحو تهدئة سريعة مع إيران، لكن هذا التوجه لا يعكس بالضرورة رغبة حقيقية في إنهاء الصراع بقدر ما يعكس رغبة في إدارته والتحكم بإيقاعه.

فالهدف الأمريكي يبدو مزدوجًا:

وقف حالة الاضطراب التي تضغط على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

احتواء الضغوط السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة.

غير أن المؤشرات الميدانية لا توحي بوجود إرادة فعلية لإغلاق ملفات المواجهة أو تفكيك أسبابها الأساسية، ما يجعل أي اتفاق محتمل أقرب إلى آلية لتنظيم الصراع منه إلى تسوية حقيقية له.

الواقع الميداني: تهدئة فوق السطح ونار تحت الرماد

في الميدان تتجلى صورة مختلفة تمامًا:

ضربات إسرائيلية متقطعة تمتد من بيروت إلى عمق الإقليم.

ردع إيراني محسوب يهدف إلى منع الانفجار الشامل دون أن يعني التراجع أو التخلي عن أدوات النفوذ.

اتفاقات أو تفاهمات يجري تسويقها إعلاميًا، لكنها تفتقر إلى الأسس الصلبة الكفيلة بضمان استقرار طويل الأمد.

وبذلك يتشكل مشهد مزدوج: تهدئة سياسية في العلن، واستنزاف مستمر في الخفاء.

وهذا النمط من الصراعات يعد من أكثر الأنماط خطورة، لأنه لا يفضي إلى حسم واضح ولا يسمح بعودة الاستقرار، بل يبقي جميع الأطراف داخل دائرة استنزاف مفتوحة.

التباين الأمريكي – الإسرائيلي

التسريبات والتقديرات الإسرائيلية تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة الأزمة الحالية.

فبنيامين نتنياهو يسعى إلى تعطيل أي اتفاق لا يخدم رؤيته الاستراتيجية أو لا يحقق أهدافه الأمنية والسياسية بعيدة المدى، لكنه يعمل ضمن هامش مناورة يتقلص تدريجيًا بفعل الضغوط الدولية والتوازنات الجديدة.

في المقابل، يركز دونالد ترامب على تحقيق اختراق سياسي سريع يمكن تقديمه بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا، حتى لو بقيت أسباب التوتر والصراع قائمة على الأرض.

وهنا تتشكل معادلة بالغة الخطورة: مساران متوازيان يتحركان في الاتجاه نفسه ظاهريًا، لكنهما لا يعملان وفق رؤية استراتيجية واحدة أو تنسيق كامل.

المعادلة الجديدة للحرب

الصيغة التي تتبلور حاليًا تقوم على:

تجميد الجبهة الكبرى سياسيًا.

استمرار الاستنزاف الميداني منخفض الوتيرة.

تجنب الحرب الشاملة مع الإبقاء على أدوات الضغط فعالة.

استخدام التصعيد المحدود كوسيلة لإعادة ضبط التوازنات عند الحاجة.

وهذا يعني عمليًا أن المنطقة قد تدخل مرحلة من “الحرب الدائمة منخفضة الكثافة”، حيث تستمر المواجهة دون إعلان حرب شاملة، وتبقى الجبهات قابلة للاشتعال في أي لحظة.

التحول الأخطر: انتقال مركز الثقل الاستراتيجي

التحول الأبرز لا يتعلق بمستوى العمليات العسكرية فقط، بل بالمكان الذي تُدار منه المعركة.

فالمواجهة لم تعد محصورة في غزة أو لبنان أو حتى إيران، بل بدأت تتحرك بصورة متزايدة نحو القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تتداخل الجغرافيا مع الأمن القومي وممرات التجارة والطاقة العالمية.

وتظهر ملامح هذا التحول من خلال:

توسع النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي ومحاولات بناء قواعد نفوذ جديدة.

دخول إثيوبيا والصومال والسودان تدريجيًا ضمن معادلة الضغوط الإقليمية.

تحويل الممرات البحرية إلى أوراق تفاوض غير مباشرة بين القوى المتنافسة.

تشكل محور موازٍ

في المقابل، تشير معطيات عديدة إلى بروز محور إقليمي يعمل بهدوء بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، يتمثل في:

تنسيق عسكري واستخباراتي مصري – تركي – سعودي يتطور بصورة تدريجية.

تقارير تتحدث عن قنوات اتصال وتنسيق ميداني مصري وتركي مع الحوثيين ضمن استعدادات أوسع مرتبطة بأمن البحر الأحمر.

مناورات وتفاهمات عسكرية تعكس انتقال بعض الدول من مرحلة إدارة الخلافات السياسية إلى مرحلة رفع الجاهزية الاستراتيجية.

ومن منظور إسرائيلي، يمثل هذا المسار مصدر قلق متزايد، لأنه قد يؤدي إلى نشوء توازنات إقليمية جديدة تحد من حرية الحركة الإسرائيلية في الممرات البحرية الحيوية.

التحرك الإسرائيلي المضاد

في مواجهة هذه التحولات، تتحرك إسرائيل على أكثر من محور:

تعزيز الوجود والنشاط المرتبط بالبحر الأحمر عبر ترتيبات وتنسيقات مدعومة أمريكيًا في إريتريا.

توسيع النفوذ الإسرائيلي – الإماراتي في أرض الصومال وإثيوبيا.

محاولة فتح مسار عملياتي جديد يخفف الضغط عن الجبهات التقليدية ويمنح هامش مناورة أوسع.

القراءة الاستراتيجية الأعمق

الجوهر الحقيقي لما يجري لا يتمثل في توقيع اتفاق أو فشل اتفاق، بل في إعادة توزيع مسرح الصراع بالكامل.

فالمنطقة لا تتجه نحو السلام بالمعنى التقليدي، كما أنها لا تتجه نحو حرب إقليمية شاملة بالضرورة، وإنما نحو نموذج جديد من إدارة التنافس الاستراتيجي يقوم على:

تفكيك الجبهات الكبرى إلى ساحات أصغر وأكثر مرونة.

نقل المواجهة إلى الممرات البحرية ومراكز العبور اللوجستي.

توظيف الاقتصاد والطاقة والموانئ كأدوات ضغط موازية للعمل العسكري.

استنزاف الخصوم عبر الزمن بدلًا من البحث عن انتصار سريع وحاسم.

وفي هذا السياق، تصبح السيطرة على الممرات الحيوية وخطوط التجارة العالمية أكثر أهمية من السيطرة على مساحات جغرافية محدودة، وتتحول القدرة على إدارة تعدد الجبهات إلى عنصر القوة الرئيسي في الصراع.

الخلاصة

ما نشهده اليوم ليس نهاية للحروب، بل إعادة صياغة لها.

ليس سلامًا حقيقيًا، بل إدارة محسوبة للتوتر.

ليس حسمًا سريعًا، بل استنزافًا طويل النفس تُستخدم فيه الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاستخباراتية في وقت واحد.

لذلك لم يعد السؤال الأهم: هل سيتم التوقيع على اتفاق؟

السؤال الحقيقي هو: من يمتلك القدرة على إدارة هذا الصراع الطويل والمتشعب؟ ومن يملك الموارد السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تسمح له بالصمود داخله؟ ومن سيتآكل تدريجيًا تحت وطأة الاستنزاف المستمر دون أن يدرك أن المعركة الحقيقية لم تعد تُخاض فقط في ساحات القتال، بل في الممرات البحرية، وشبكات النفوذ، وموازين القوة التي يُعاد تشكيلها بهدوء في عمق الإقليم؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى