مقالات وآراء

د.محمد عماد صابر يكتب: ظلال الطمأنينة.. حسن الظن ورتق التصدعات في ثوب الكيان الواحد

حين تهبّ عواصف الخلاف على الكيانات العقائدية والتنظيمية الممتدة- كجماعة الإخوان المسلمين في مشهدها الراهن- فإن أول ما ينفرط من عقدها هو الطمأنينة المتبادلة التي كانت تاريخياً عصب تماسكها.
وفي غمرة الانقسامات التي تتقاذفها الأجنحة والولاءات، يستبد سوء الظن بالنفوس، فيتحول إلى مرآة مشوهة تعكس كل مبادرة للإصلاح على أنها محاولة للإقصاء، وكل مراجعة فكرية على أنها تنازل أو مؤامرة حيكت في خفاء.
من وسط هذا الركام التنظيمي والنفسي، لا يبرز حسن الظن كمجرد وعظ ديني مأثور، بل كضرورة وجودية وأداة إنقاذ حتمية لترميم الشروخ العميقة وبث الحياة في عروق الثقة المنهكة بين رفقاء المنهج الواحد.
إن الأزمة الداخلية في جوهرها تجاوزت حدود الخلاف حول الشرعية الإدارية، لتتحول إلى نزاع تدور رحاه في مخيلات الأطراف المتنازعة، حيث يبدأ كل جناح في نسج سيناريوهات الشك عن دوافع الآخر ونواياه الوطنية أو الحركية. وهنا يأتي حسن الظن بوصفه المشرط الذي يستأصل ورم التخوين والشك، فيمنح القادة والقواعد تلك الوهلة الثمينة لالتقاط الأنفاس، واعلاء معني يسوده الانصاف والرحمة: “لعلهم يجتهدون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بناءً على تقديرهم للواقع”.
هذا المسلك يعيد للرفاق وجههم الإنساني والتاريخي المشترك، بضعفهم وقوتهم، بدلاً من تجريدهم من نبل المقاصد لمجرد اختلافهم في أدوات الإدارة أو الموقف السياسي.

ولكي يتحول هذا الأمل القلبي إلى حقيقة ملموسة تنهي حالة التشظي داخل هذا الكيان، لا بد له من تجليات عملية تقطع دابر الإشاعات وبيانات الرد المضاد.
يبدأ ذلك باتخاذ التماس الأعذار كمنهج في قراءة المواقف، فمنح الآخر مساحة من سلامة النية وسط ظروف المحن والضغط الشديد ليس ضعفاً أو تراجعاً، بل هو حصانة نفسية تكسر حدة الاستقطاب وتهيئ أرضية صلبة للمكاشفة الحرة.
من هنا، يمكن لأطراف النزاع الانتقال من قاعات المحاكمات التنظيمية والمنابر الإعلامية التي تفتش في النوايا لتُدينها وتصدر صكوك الشرعية، إلى غرف الحوار الدافئة التي تبحث في الوقائع والأخطاء لتُصلحها، مدفوعين بإعلاء راية المصير المشترك، وإدراك أن السفينة إن غرقت بفعل الثقوب الداخلية، فلن ينجو منها جناح على حساب آخر.
متى ما سرت أنفاس حسن الظن في أوصال الجماعة، تبدلت ملامح المشهد وتراجعت لغة التراشق، فتولد البيئة الآمنة التي لا يخشى فيها الكادر أو القيادي أن تُفهم مراجعاته ونقده الذاتي على أنها انشقاق أو موالاة للخصوم، وتتحول الخصومة الشرسة إلى عتاب محبٍّ وهادف يرمي إلى وحدة الصف لا تعميق التمزق.
إن أعظم ما يقدمه حسن الظن في هذا السياق هو استرداد الطاقات الفكرية والبشرية المهدورة؛ تلك التي تضيع اليوم في تفسير البيانات، وتحليل التحركات، والتوجس من الخطوات، لتوجه بالكامل نحو تقديم رؤى حقيقية للمستقبل وتضميد جراح الكيان الحركي والإنساني.

إن التصالح داخل هذا الكيان لا يرتجي معجزات تهبط من السماء، بل يطلب شجاعة استثنائية تنبع من قيادات وقواعد تملك القدرة على تجاوز الأنا والتنحي عن المواقف الصفرية؛ الشجاعة في أن يتقدم أحد الأطراف ليغرس الغصن الأخضر الأول في أرضٍ أجدبها الجفاء الطويل. وحين يقرر الفرقاء إلقاء أسلحة التشكيك وارتداء حلة حسن الظن، فإنهم لا يتنازلون عن قناعاتهم، بل يعلنون انتماءهم الأسمى للفكرة الكبرى التي جمعتهم يوماً، ليظل حسن الظن هو النبض الأول الذي يعيد الروح لجسد الثقة المتهالك، فلا تصالح حقيقي يستقيم على أرض سبخة من الريبة والاتهام، ولا ثقة تزهر إلا إذا سُقيت بماء الظن الجميل.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى