أحزاب وبياناتمصرملفات وتقارير

نواب البرلمان يزلزلون القاعة: فجوات الموازنة تكشف انحيازات الحكومة ضد المواطنين

شهدت الجلسة العامة لمجلس النواب المصري، المنعقدة يوم الإثنين 22 يونيو 2026 برئاسة المستشار هشام بدوي، حالة من الغليان البرلماني أثناء مناقشة مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بحضور وزيري المالية والتخطيط. وقد تحولت قبة البرلمان إلى ساحة كشف مستور حول فلسفة الإنفاق الحكومي، حيث ارتفعت أصوات النواب مطالبة بإنهاء حالة التعتيم على التنفيذ الفعلي للموازنة، مشددين على ضرورة وضع حد للفوارق الصارخة بين دعم المواطن البسيط وأعباء الدين العام التي تستنزف موارد البلاد.

في مداخلة اتسمت بحدة النقد، طالب النائب طارق رضوان، رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، بضرورة تغيير جذري في كيفية تقييم الموازنة، مؤكداً أن مناقشتها يجب أن تتم من منظور حقوقي بحت، لا مجرد أرقام حسابية صماء. وأوضح “رضوان” أن المخصصات المالية لقطاعات الصحة والتعليم والخدمات العامة لا قيمة لها ما لم تقترن بعدالة التوزيع ووصولها للمواطن في القرى والنجوع. ووجه “رضوان” إنذاراً مبطناً للحكومة، مطالباً بإلزامها بتقديم تقارير ربع سنوية – كل ثلاثة أشهر – تعرض أمام البرلمان لتكشف بدقة حجم ما تم تنفيذه من مستهدفات، بدلاً من بقاء الموازنة مجرد نصوص نظرية بعيدة عن الواقع المعاش.

على صعيد آخر، كشف النائب أحمد بلال البرلسي، عضو مجلس النواب، عن “المستور” في أولويات الإنفاق العام، مشيراً إلى أن لغة الأرقام في الموازنة الجديدة تفضح انحيازات الحكومة المالية. وبنبرة استنكارية، لفت البرلسي إلى أن الحكومة تخصص نحو 178 مليار جنيه لدعم رغيف الخبز والسلع التموينية، لكنها تتعامل مع هذا الرقم كأنه “عبء ثقيل” على الموازنة، في حين تعامل أعباء الدين العام كأولوية مقدسة لا تقبل المساس. والمفارقة الصادمة التي كشفها البرلسي هي أن تكلفة خدمة الدين العام تلتهم أكثر من 14 ضعف المبالغ المخصصة لدعم السلع التموينية، وهو ما يضع تساؤلات مشروعة حول مستقبل العدالة الاجتماعية في ظل هذه الضغوط المالية الخانقة.

لم يتوقف النقد عند هذا الحد، بل امتد ليشمل ما وصفه البرلسي بـ “الدعم غير المباشر” للأثرياء. فقد انتقد النائب منظومة الإعفاءات الضريبية والحوافز الاقتصادية التي تذهب للفئات القادرة بدلاً من توجيهها لمحدودي الدخل. وطالب بفتح ملف مراجعة شامل لهذه الإعفاءات، خاصة تلك المرتبطة بقطاع الطاقة، متسائلاً عن جدواها الاقتصادية الحقيقية في خلق فرص عمل أو خفض أسعار السلع والخدمات للمواطن المقهور الذي يواجه غلاء المعيشة اليومي. وأكد البرلسي أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق بالتركيز فقط على المؤشرات الكلية بينما يتآكل دخل المواطن تحت وطأة هذه السياسات.

في السياق ذاته، شدد طارق رضوان على أن الرقابة البرلمانية ليست مجرد طقوس دستورية، بل هي أداة لضمان ترجمة مخصصات الموازنة إلى خدمات ملموسة تشعر بها القاعدة العريضة من الشعب. وأصر “رضوان” على ضرورة أن تقوم الحكومة بمصارحة الشعب ونوابه بشكل دوري، معتبراً أن غياب الشفافية في مراحل التنفيذ هو المعضلة التي تفقد المواطنين الثقة في الوعود الحكومية.

تأتي هذه المواجهات البرلمانية لتؤكد وجود فجوة كبيرة بين الرؤية الحكومية التي تستند إلى أرقام الاستقرار المالي وبين الواقع المعيشي الصعب الذي يتطلب انحيازاً صريحاً للمواطن. وبينما تلوح الحكومة بمشاريع التنمية، تظل الأسئلة حول التوزيع العادل للموارد، وضرورة خفض خدمة الدين، ومراجعة منظومة الإعفاءات للشركات الكبرى، هي العناوين الرئيسية التي ستحدد ملامح الصدام القادم بين المجلس والحكومة في دور الانعقاد الحالي. إن الشارع المصري يراقب بتركيز شديد نتائج هذه المناقشات، وينتظر ما إذا كانت مطالب النواب ستتحول إلى إلزام حقيقي للحكومة، أم ستظل مجرد حبر على ورق في تقارير برلمانية طالما طالبت بالحقوق دون أن تُحدث التغيير الجذري المطلوب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى