أنور الهواري يمزق قناع الجمهورية الجديدة في كتابه الديكتاتورية الجديدة

يقتحم الكاتب والصحفي المصري أنور الهواري جدار الصمت الوطني في كتابه الصادر عام 2023 عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة تحت عنوان الديكتاتورية الجديدة نفق مغلق ثم أفق مسدود ليقدم تشريحاً سياسياً جريئاً لعقد كامل من عنف التأسيس ووهم الاستقرار. يقع الكتاب في 312 صفحة ويصنف ضمن الفلسفة السياسية ونقد الأنظمة السلطوية ودراسات التحول الديمقراطي حيث يفتتح الهواري عمله بجملة صادمة مفادها أن ثورة الأيام الأربعة من 25 يناير حتى 28 يناير 2011 لم تكن سوى فاصل قصير قطع الإرسال بين حقبتين ديكتاتوريتين مؤكداً أن مصر لم تشهد قطيعة حقيقية مع نظام الحكم العسكري الذي بدأ منذ عام 1952 بل انتقلت من ديكتاتورية إلى أخرى مع تغير في الأسماء والأشكال فقط.
أنور الهواري يقتحم عش الدبابير: كيف تهندس الدولة استبدادها المستمر؟
يضع الكتاب النظام الحالي تحت مجهر النقد الجذري واصفاً إياه بالديكتاتورية المستقرة التي شيدت على أسس تشريعية وقانونية وأمنية ومؤسسية محكمة كفيلة باستمرارها حتى نهاية القرن الحادي والعشرين ما لم يتم كسر القيد جذرياً وطي عهد يوليو بكل إرثه السياسي والأمني. لقد حظي الكتاب إلى جانب مؤلفه الآخر ترويض الاستبداد باهتمام واسع أدى إلى منعه وسحبه من معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2023 بقرار غير معلوم الأسباب ما عزز من قيمته كوثيقة سياسية محظورة تكشف المسكوت عنه.
يستعرض الهواري في مقدمة كتابه ثورة 25 يناير 2011 بوصفها أهم حدث مصري في القرن الحالي لأنها طرحت السؤال الجوهري ملكية مصر لمن؟ لكنه يرى أن الثورة فشلت في إفراز برنامج بديل وانتهت بفتح الباب أمام عودة العسكريين للمشهد مرة أخرى حيث يعتبر الكاتب أن الضباط الذين وصلوا للحكم في عام 2013 يكررون نفس المنطق الذي ساد في 1952 باعتبار أنفسهم أصحاب رسالة أخلاقية وليسوا أصحاب مطامع سياسية بينما تنكر الوقائع ذلك تماماً.
تتمحور فكرة الكتاب المركزية حول أن الديكتاتورية الجديدة هي امتداد وتطوير للديكتاتورية الأولى التي تأسست عام 1952 معتمدة على هندسة قانونية تسيطر على مفاصل الدولة وبنية أمنية تفرض الرهبة وبنية مؤسسية تطوع الأجهزة لخدمة النظام إضافة إلى بنية تخويفية جعلت من الصمت سيد الموقف. وينتقد الهواري استمرارية الحكم العسكري طوال السبعين عاماً الماضية متسائلاً بمرارة عن قدرة المصريين على التحرر من هذا النمط المتكرر الذي يرى أن الثورات الشعبية فيه غالباً ما تُجهض بسبب غياب التخطيط والقيادة والتنظيم.
يتناول التقرير الديكتاتورية الجديدة بوصفها نظاماً بلا مشروع اقتصادي أو اجتماعي حقيقي يستفيد منه غالبية الناس ورغم ذلك نجحت في تأسيس هياكل متينة عبر انتخابات شكلية والقضاء على المنافسين وتطويع الدستور لخدمة السلطة. يشير الهواري إلى المفارقة الصارخة بين نصوص دستور 2014 الذي يضمن حريات واسعة وبين الواقع الذي يكرس المواطن كفرد عاجز وغير مكتمل الأهلية خاضع لسلطة غاضبة.
في الجانب النقدي تلقى الكتاب إشادات بشجاعة الكاتب وقدرته على الربط بين جذور الاستبداد وتجلياته المعاصرة بينما اتهمه أنصار النظام بالمبالغة في التشاؤم وتجاهل مشروعات البنية التحتية. يظل أنور الهواري الذي ولد في ديسمبر 1964 بمحافظة الشرقية وتخرج في كلية الإعلام بجامعة القاهرة عام 1986 صوتاً صحفياً متفرداً بمسيرة مهنية بدأت من مجلة السياسة الدولية وصولاً لتأسيس صحيفة المصري اليوم ورئاسة تحرير عدة إصدارات بارزة مما يمنح كتابه ثقلاً معرفياً يستند إلى خبرة طويلة في دهاليز السياسة والصحافة المصرية.
ينتهي الكتاب إلى خلاصة مفادها أن استمرارية الحكم العسكري وعدم بناء نظام ديمقراطي حقيقي هو الجرح العميق في التجربة المصرية مؤكداً أن ثورة يناير ليست غلطة تاريخية بل كانت نقطة انطلاق لا يمكن محوها. يوجه الهواري دعوته للتدريب على الحرية والإصرار على الحق في المواطنة معتبراً كتابه مجرد محاولة لفهم تعقيدات التحول الديمقراطي ومواجهة سؤال الفشل المتكرر لمحاولات التغيير في إنتاج نظام بديل وهو ما يجعل من هذا العمل مرجعاً لا غنى عنه لفهم الواقع السياسي المصري المعاصر وتناقضاته المستمرة.







