نبيل فهمي أمينا عاماً للجامعة العربية: رحلة دبلوماسية في دهاليز السياسة الدولية

في خطوة أثارت الكثير من التكهنات حول مستقبل العمل العربي المشترك، اعتمد مجلس جامعة الدول العربية بالإجماع السفير نبيل إسماعيل فهمي أميناً عاماً جديداً للمنظمة، وذلك خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عُقد في عمّان يوم الاثنين الموافق 22 يونيو 2026. يأتي هذا الاختيار ليضع الدبلوماسي المخضرم البالغ من العمر 75 عاماً على رأس هرم الجامعة خلفاً للأمين العام السابق أحمد أبو الغيط، على أن يبدأ فهمي مباشرة مهامه الرسمية مطلع شهر يوليو المقبل، مستمراً في ولايته لمدة 5 سنوات قادمة.
يعد نبيل فهمي، المولود في 5 يناير 1951 بمدينة نيويورك الأمريكية، سليل عائلة دبلوماسية عريقة؛ فهو نجل إسماعيل فهمي وزير الخارجية المصري الشهير الذي شغل منصبه بين عامي 1973 و1977، والذي لا يزال التاريخ يذكر له موقفه الحاد بتقديم استقالته احتجاجاً على زيارة الرئيس الراحل أنور السادات للقدس عام 1977. هذا الارث الدبلوماسي الثقيل وضع نبيل فهمي منذ بداياته في مسارات السياسة الدولية، حيث تدرج في مناصب حساسة صقلت خبراته وجعلته أحد أبرز الوجوه التي أدارت الملفات الخارجية لمصر لعقود طويلة.
ارتبط اسم نبيل فهمي ارتباطاً وثيقاً بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث حصل منها على بكالوريوس الفيزياء والرياضيات وماجستير الإدارة، ولم يكتفِ بذلك بل انخرط في العمل الأكاديمي، متولياً منصب عميد كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة في الفترة من عام 2009 حتى 2022. مسيرته المهنية حافلة بالمحطات المفصلية، إذ خدم كسفير لمصر في اليابان بين عامي 1997 و1999، قبل أن ينتقل ليشغل منصب سفير مصر في الولايات المتحدة الأمريكية لفترة طويلة ومؤثرة امتدت من عام 1999 حتى 2008، وهي الفترة التي شهدت تحولات جيوسياسية كبرى في المنطقة، قبل أن يتولى حقيبة وزارة الخارجية المصرية في حكومة حازم الببلاوي من يوليو 2013 إلى يونيو 2014، في مرحلة انتقالية بالغة الدقة والحساسية في تاريخ مصر المعاصر.
باعتباره ثامن أمين عام للجامعة التي تتخذ من القاهرة مقراً لها، يدرك نبيل فهمي حجم التحديات التي تنتظره؛ فالجامعة التي تأسست في العام 1945 كانت دوماً حكراً على الأمناء المصريين، باستثناء الحقبة التي تلت توقيع مصر لمعاهدة السلام مع إسرائيل وتعليق عضويتها حين تولى التونسي الشاذلي القليبي المنصب في ثمانينات القرن الماضي. وفي بيان إجماع وزراء الخارجية على ترشيحه، وصف فهمي المنصب بأنه يمثل “مسؤولية كبيرة” في ظل واقع عربي يواجه تحديات غير مسبوقة، مشيراً في تصريحاته إلى ما وصفه بـ”مخالفات صارخة للقانون الدولي من قبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا”، معرباً عن قلقه تجاه أطراف طال احتلالها للأراضي العربية وتعقل تمكين الشعوب من ممارسة حقوقها المشروعة، ومحذراً من مخططات تستهدف الهيمنة والمساس بأمن واستقرار العالم العربي، وإن تجنب فهمي في بيانه الإشارة الصريحة أو التسمية المباشرة للجهات المسؤولة عن تلك المخططات، مكتفياً بتوصيف الأزمات التي تحيط بالمنطقة.
تأتي هذه التطورات في توقيت إقليمي ملتهب، حيث يطمح الكثيرون إلى أن ينجح الأمين العام الجديد في تحويل الجامعة من مجرد إطار للتشاور السياسي إلى كيان أكثر فاعلية في مواجهة التهديدات الخارجية والأزمات الداخلية التي تعصف بالدول العربية، وسط آمال معلقة على خبرة فهمي الدبلوماسية الطويلة في واشنطن واليابان والدوائر الدولية، ومحاولاته لتقديم رؤية جديدة لإدارة الملفات العالقة. ومع اقتراب شهر يوليو، تترقب العواصم العربية أولى خطوات الأمين العام الجديد، وهل سيتمكن من إعادة التوازن لمنظمة لطالما وُصفت بأنها تعاني من الشلل أمام التحولات الدراماتيكية في الجغرافيا السياسية للمنطقة، خاصة وأن التصريحات الأولية لفهمي تحمل نبرة حازمة تعكس إدراكاً لطبيعة التهديدات الوجودية التي تواجه الأمن القومي العربي، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التحركات الدبلوماسية المرتقبة له.







