طهران تطلق سلسلة إعدامات دموية لإحكام قبضتها بعد التهدئة مع واشنطن

في تحول دراماتيكي يعكس الوجه الحقيقي للصراع الداخلي في إيران، كشفت الأسابيع الأخيرة عن موجة قمع غير مسبوقة تشنها السلطات الإيرانية ضد المعارضين السياسيين ونشطاء الرأي. يأتي هذا التصعيد الدموي بالتزامن مع حالة من الهدوء الميداني على جبهة المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة، وبدء مسارات تفاوضية جديدة حول الملف النووي ورفع العقوبات؛ مما يؤكد أن النظام يسعى لاستغلال هذه التهدئة لترسيخ هيبته المتهالكة وردع أي تحركات احتجاجية قد تندلع في الداخل، معتمداً في ذلك على “سياسة بث الخوف” كأداة وحيدة متبقية للبقاء في السلطة.
تؤكد تقارير حقوقية دولية، استناداً إلى بيانات موثقة، أن السلطات الإيرانية نفذت حملة إعدامات مكثفة طالت ما لا يقل عن 45 شخصاً منذ بداية العام الحالي، تركزت غالبيتها خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. وعلى رأس هؤلاء الضحايا يأتي الشاب ناصر بكر زاده، البالغ من العمر 26 عاماً، الذي أُعدم بتهم ملفقة بالتجسس لصالح إسرائيل، وهي التهمة التي نفاها بشدة حتى اللحظات الأخيرة، بينما أكد دفاعه افتقار ملف القضية لأي أدلة قانونية ملموسة. لم يتوقف مسلسل الدم عند هذا الحد، بل أتبعه النظام بإعدام مهراب عبد الله زاده، الحلاق الشاب من منطقة أورمية، الذي أُدين بقتل عنصر من ميليشيا الباسيج، رغم أن عبد الله زاده فجر مفاجأة من العيار الثقيل في تسجيل صوتي قبل تنفيذه، حيث أكد أن اعترافاته انتُزعت تحت وطأة التعذيب الوحشي والتهديد، مستشهداً بأدلة تثبت وجوده بعيداً عن مكان الحادث وقت وقوعه.
إن النظام الإيراني يواجه أزمة شرعية طاحنة تغذيها ظروف اقتصادية خانقة، مما دفعه لاستخدام المحاكم الثورية كمنصة لتصفية الحسابات. يرى محمود أميري مقدم، مدير منظمة “إيران لحقوق الإنسان” في أوسلو، أن “الخوف” أصبح السلاح الاستراتيجي للنظام لمنع أي انفتاح سياسي قد يتزامن مع المفاوضات الدولية. لقد بدأت شرارة القمع منذ احتجاجات يناير الماضي، حيث استهدفت السلطات الشباب الذين شاركوا في ثورة 2022 المطالبة بحقوق المرأة، وبدأت في كيل التهم الفضفاضة مثل “الإفساد في الأرض” و”محاربة الله” لإضفاء غطاء قانوني على جرائم القتل الممنهج.
الممارسات الإجرائية التي تنتهجها طهران توصف بأنها “خطيرة وممنهجة”؛ إذ تُحرم الأغلبية الساحقة من المتهمين من حق الاستعانة بمحامين مستقلين، وتتم المحاكمات في سرعة قياسية تفتقر لأبسط معايير العدالة والشفافية. وتؤكد كارين كرامر، نائبة مدير مركز حقوق الإنسان في إيران، أن هذه المحاكمات ليست سوى استعراض للقوة في أجواء تخلو من الضمانات القانونية الأساسية.
ولا تقتصر دائرة الاستهداف على المعتقلين أنفسهم، بل امتدت لتشمل سياسة “العقاب الجماعي” ضد أسرهم. فوفقاً لرويا برومند، المديرة التنفيذية لمركز عبد الرحمن برومند، تتعمد السلطات مصادرة ممتلكات عائلات المعارضين وفرض كفالات مالية فلكية تُجبر الأسر على بيع كل ما تملك، في محاولة بائسة لكسر شوكة المعارضة وقطع مصادر رزقهم.
تشير الدراسات الحقوقية إلى أن معظم ضحايا هذه المقصلة هم من الشباب في العشرينات والثلاثينات من عمرهم، مع تركيز لافت على استهداف الأقليات العرقية، لا سيما الأكراد. ومع استمرار حملات الاعتقال الواسعة، تتصاعد التحذيرات الدولية من أن ما شهدناه ليس سوى مقدمة لتصعيد أكبر ضد الآلاف من المعتقلين القابعين في السجون، حيث تسعى السلطات الإيرانية بشتى الطرق إلى إعادة فرض سيطرتها المطلقة وسط تخبط سياسي وتآكل في شرعية النظام، مما يضع إيران في مواجهة مستمرة مع المجتمع الدولي حول سجلها الأسود في حقوق الإنسان.







