
كلنا نحفظ حديث المرأة التي دخلت النار بسبب تعذبها لهرة، فما بالكم بمن يعذب إنسانا مثله كرمه الله تعالى، وللتذكير بالحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (عُذّبت امرأة في هرّة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) متفق عليه.
وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن النبي – صلى الله عليه وسلم – رأى تلك المرأة في صلاة الكسوف حيث قال: (.. ودنت مني النار، فإذا امرأة تخدشها هرّة، قلت: ما شأن هذه؟، قالوا: حبستها حتى ماتت جوعا، لا أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل).
وجاء في رواية النسائي: (حتى رأيت فيها امرأة من حمير تعذب في هرّة… فلقد رأيتها تنهشها إذا أقبلت وإذا ولت تنهش أليتها).
تذكرت هذا الحديث عن عواقب تعذيب الهرة(القطة) ونحن نقرأ كل يوم أخبارا عن تعذيب المعتقلين، وصولا إلى استشهاد بعضهم في محابسهم بسبب التعذيب أو سوء المعاملة أو الإهمال الطبي، وإذا كان الله سبحانه وتعالى عذب امرأة بسبب قطة فما بالك بمن عذب بشرا، وهؤلاء البشر هم من أبناء الوطن، ليس لهم ذنب إلا أنهم حلموا بوطن حر، وحلموا بكرامة اختص بها الله بني آدم، فكان العقاب لهم على حلمهم حبسا وتعذيبا، وقتلا وتشريدا، وفصلا ومطاردة.
في الثاني عشر من ديسمبر 1997، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب قرارها 52/149، يوم 26يونيه يوما دوليا للأمم المتحدة لمساندة ضحايا التعذيب، وذلك بهدف القضاء التام على التعذيب وكفالة فعالية تنفيذ اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وفي عام 2002، اُعتمدت الأمم المتحدة البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، وهو معاهدة تهدف إلى منع التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بإتاحة نظام تفتيش دولي لأماكن الاحتجاز. كما يُلزم البروتوكول الدول بإنشاء آليات وقائية وطنية مستقلة لفحص معاملة الأشخاص المحتجزين، وتقديم توصيات إلى السلطات الحكومية لتعزيز الحماية من التعذيب، والتعليق على التشريعات القائمة أو المقترحة. وتتولى إدارة البروتوكول اللجنة الفرعية لمنع التعذيب.
في هذا اليوم نتذكر آلاف السجناء السياسيين المصريين الكرام أبناء الكرام، الذين كانوا طليعة شعبهم بحثا عن الحرية والكرامة، ودفعوا الثمن لذلك، لقد أراد النظام الحاكم جعلهم عبرة لغيرهم، وأمثولة لمن يفكر في حقوقه الطبيعية، ولذا فإن الرد على هذه الرسالة الاستبدادية هي اعتبار قضية هؤلاء المعتقلين السياسيين قضية وطنية وأخلاقية لكل الشعب، وليقدم كل فرد وجمعية ومؤسسة وحزب فيها وسعه، وصولا إلى الإنكار بالقلب وهو أضعف الإيمان.
التعذيب جريمة ضد الإنسانية، وهو مجرم بموجب القانون الدولي. ومحظور حظرا مطلقا وفق جميع الصكوك ذات الصلة، ولا يمكن تبريره في أي ظرف من الظروف. وتندرج هذه القاعدة في صميم القانون الدولي المقبول على نطاق واسع، بما يعني أن على كل دولة أن تمتثلها، حتى إن لم تكن قد وافقت على معاهدات محددة تحظر التعذيب. وتشكل ممارسة التعذيب على نحو منهجي، أو واسع النطاق جريمة ضد الإنسانية، ويجب ألا يُسمح لمرتكبي التعذيب أبدا بالإفلات من جرائمهم، ويجب تفكيك الأنظمة التي تمكّن التعذيب أو تغييرها. (أنطونيو غوتيرش الأمين العام للأمم المتحدة)
مصر من الدول الموقعة على اتفاقية مناهضة التعذيب، وبالتالي هي ملزمة باحترام نصوص هذه الاتفاقية التي أصبحت جزءا من تشريعاتها الوطنية بموجب الدستور المصري نفسه، وحين نطالب الأمم المتحدة وهيئاتها بالتحرك لمواجهة ظاهرة التعذيب في السجون وأقسام الشرطة المصري فإن هذا ليس طلب لتدخل أجنبي، بل طلب لتفعيل التزامات قانونية مصرية بالأساس.
منذ عدة شهور طلب السفير رفاعة الطهطاوي من داخل محبسه وعبر رسالة مسربة بتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية برئاسة الدكتور محمد البرادعي وآخرين، ولا يزال هذا المقترح معلقا ينتظر من ينفذه، وهنا يأتي دور المنظمات الحقوقية المصرية والعالمية للقيام بواجبها والضغط على مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة والمقرر الخاص لمناهضة التعذيب، والمقررة الخاصة بمكافحة التعذيب ضد المرأة وبقية هيئات الأمم المتحدة المعنية بمكافحة التعذيب لتشكيل هذه اللجنة لزيارة السجون المصرية ومقابلة من تريد من المعتقلين خصوصا المحرومين من أبسط حقوقهم التي تتضمنها لوائح السجون، والضغط على النظام المصري لاحترام تعهداته الدولية.. هذا التحرك حال حدوثه قد يوقف التعذيب، او يسهم في تخفيفه في الحد الأدنى، كما أنه سيمثل رسالة تضامن قوية مع المعتقلين السياسيين الذين سيشعرون ساعتها أنهم ليسو كما مهملا وليسو مجرد أرقام في عتمات السجون.







