مخاوف حقوقية دولية تكشف كواليس تسييس القضاء وتصفية الحسابات في تونس

حالة من الغضب والترقب تسود الأوساط الحقوقية والسياسية في تونس، عقب قرار محكمة الاستئناف بتونس العاصمة الأخير بتأجيل النظر في إحدى قضايا شبهات الفساد المالي والإداري، وهو القرار الذي جاء ليفتح الباب أمام تساؤلات حادة حول استقلالية مرفق القضاء ومدى توافره على شروط المحاكمة العادلة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد.
في هذا المشهد الملبد بالشكوك، خرج مرصد «الحرية لتونس» بتقريره الصادم والمثير للجدل في 23 يونيو 2026، ليعبر عن قلقه العميق من التداعيات الخطيرة للمتابعات القضائية التي تُغلف بغلاف قانوني واقتصادي بينما تحمل في طياتها دلالات سياسية واضحة، محذراً من استغلال ملفات الفساد كأداة لتصفية الحسابات بعيداً عن مقتضيات القانون والعدالة الجنائية الصرفة.
التقرير الصادر عن المرصد لم يكتفِ برصد التأجيل، بل وضع النقاط على الحروف مؤكداً أن مكافحة الفساد وحماية المال العام، وإن كانت أولوية ملحة لأي دولة تبحث عن الحكامة والشفافية، إلا أنها تحولت في الآونة الأخيرة إلى ذريعة تُستخدم خارج إطارها القضائي الصحيح. وشدد التقرير على أن هذه العملية الجارية حالياً تفتقر إلى المعايير القانونية الواضحة، وتتداخل فيها الحسابات السياسية الضيقة بشكل يثير الريبة في نزاهة المخرجات المتوقعة من قاعات المحاكم.
وفي إشارة بالغة الأهمية، سلط المرصد الضوء على الانتهاكات التي تمس قرينة البراءة، داعياً السلطات التونسية إلى ضرورة احترام حقوق المتقاضين في كافة أطوار المحاكمة. كما حذر التقرير من ظاهرة إصدار الأحكام المسبقة عبر المنابر الإعلامية والمنصات الرقمية والفضاءات العامة، معتبراً أن هذا النوع من التحريض العلني يمارس ضغطاً مباشراً على هيئات المحكمة ويقوض أسس العدالة قبل أن يقول القضاء كلمته، وهو ما يعد نسفاً لمبدأ المحاكمة العادلة الذي كفلته المواثيق الدولية.
المطالبة بتمكين السلطة القضائية من أداء رسالتها بعيداً عن أي ضغوط أو إملاءات سياسية أو تأثيرات خارجية كانت في صلب توصيات المرصد، حيث اعتبر أن الثقة الشعبية في مؤسسات العدالة أصبحت على المحك، وهي رهينة بمدى قدرة القضاة على الفصل في القضايا وفق القانون وحده، دون الالتفات إلى التجاذبات التي تملأ المشهد التونسي حالياً.
يأتي هذا التقرير في وقت تشهد فيه تونس حالة من التخبط النقاشي المستمر حول واقع الحقوق والحريات ومستقبل المؤسسات الوطنية، لا سيما في ظل تزايد وتيرة المتابعات القضائية التي تستأثر باهتمام الرأي العام التونسي، وتخلق هوة سحيقة من التباين في المواقف بين فريقين؛ الأول يرى في الإجراءات ضرورة لضبط الشارع، بينما يرى الفريق الثاني أنها أداة للانتقام السياسي وتكميم الأفواه.
يرى المتابعون للشأن التونسي أن المعادلة الصعبة تكمن في قدرة السلطات على الموازنة الدقيقة بين مكافحة الفساد المستشري وصيانة الحقوق الأساسية للمواطنين، وهو التحدي الأبرز الذي يواجه الدولة في هذه المرحلة التاريخية الحرجة. ويؤكد الخبراء أن فشل السلطة في حفظ هذا التوازن لا يهدد فقط هيبة القانون، بل يزعزع الثقة في مسار العدالة برمته، مما قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام المجتمعي وتآكل شرعية المؤسسات أمام الرأي العام الدولي والمحلي على حد سواء. إن تونس اليوم تقف أمام مفترق طرق خطير، حيث يترقب الجميع ما ستؤول إليه هذه القضايا الشائكة في ظل الضغوط المتزايدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من دولة القانون.






