سلسلة اختطاف النساء في سوريا: مخطط شيطاني لكسر إرادة المكونات المجتمعية

تتصاعد في سوريا وتيرة الانتهاكات الجسيمة الموجهة ضد النساء، في مشهد مرعب يكشف عن أزمة إنسانية متفاقمة لم تعد مقتصرة على الحوادث الفردية، بل تحولت إلى منظومة ممنهجة تهدف للهيمنة وكسر إرادة المجتمعات. تؤكد المهندسة المعلوماتية والناشطة المدنية في منظمة “بيتي أنا بيتك”، لميس منذر، أن ما تتعرض له النساء اليوم ليس جرائم عشوائية، بل هو استراتيجية عقاب جماعي تُمارس في ظل إنكار رسمي وصمت مريب يفتح الأبواب لدورة جديدة من الرعب وانهيار منظومة الحماية والعدالة.
تشير المعطيات الميدانية والتقارير الحقوقية إلى أن المرحلة التي تلت سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر 2024 شهدت طفرة خطيرة في موجات الخطف والعنف المنظم، مع استهداف مركز للنساء المنتميات إلى جماعات إثنية وطائفية محددة. ترى لميس منذر أن الجسد الأنثوي بات يُستخدم في الصراع السوري كرسالة سياسية لترهيب الجماعات وتقويض قدرتها على حماية أفرادها. إن خطف النساء يُستثمر بدقة ضمن مخطط لإعادة رسم خرائط النفوذ عبر ضرب الروابط الداخلية للمجتمعات، حيث تُختزل المرأة كرمز للهوية الجماعية في أداة لإنتاج الخوف وفرض السيطرة المطلقة.
وعلى الرغم من توثيق منظمات حقوقية مثل “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” لحالات عنف جنسي وزواج قسري في دراسة حملت عنوان “الخطف في سوريا: النساء العلويات الأكثر استهدافاً”، إلا أن الرواية الرسمية لا تزال تغرد خارج السرب. فقد اكتفى الناطق باسم وزارة الداخلية بالإعلان عن تسجيل 43 حالة فقط، زاعماً عودة الجميع باستثناء واحدة، وهو ما يتناقض تماماً مع شهادات الأهالي التي تؤكد تقاعس السلطات واتهامها للضحايا بالهروب لأسباب شخصية، في محاولة دنيئة لإغلاق الملفات وطمس الحقائق.
تشدد لميس منذر على ضرورة التمييز بين مستويين من هذا العنف؛ الأول هو العنف القائم على النوع الاجتماعي، والثاني هو العنف القائم على الهوية، حيث يُعاقب المجتمع من خلال الاعتداء على نسائه. في هذا السياق، تصبح المساءلة ليست مجرد خيار قانوني، بل ضرورة سياسية لمنع تكرار هذه الانتهاكات التي تقع في صلب الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية “سيداو” لعام 1979 وقرار مجلس الأمن 1325.
إن عجز الحكومة السورية المؤقتة عن التعامل بجدية مع الشكاوى، لا سيما المتعلقة بالنساء العلويات، خلق شعوراً بالنبذ خارج مظلة القانون، مما يعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع. لقد امتدت هذه الانتهاكات عبر جغرافيا واسعة شملت الساحل، حمص، حماة، ريف دمشق، جرمانا، أشرفية صحنايا، والسويداء، مما يؤكد أن الجرائم كانت ممتدة ومتعددة الطبقات، وتتطلب إدماجها فوراً في مسارات العدالة الانتقالية الشاملة.
تؤكد الناشطة لميس منذر أن مواجهة هذه المأساة تستوجب كشف الحقيقة كاملة، وتوفير آليات حماية مجتمعية فاعلة، مع دعم الناجيات قانونياً ونفسياً. إن استمرار الإفلات من العقاب ليس إلا ضوءاً أخضر للجناة لمواصلة غيهم، فبيئة الكراهية التي تسمح بتبرير العنف ضد النساء هي السبب المباشر وراء انهيار الثقة بالأمان. إن عدالة النساء ليست مطلباً جزئياً، بل هي الركيزة الأساسية لأي سلم أهلي حقيقي في سوريا، وأي مسار عدالة لا يتضمن محاسبة جميع الأطراف عن هذه الانتهاكات يظل مساراً منقوصاً لا يُعول عليه في بناء مستقبل الدولة.







