الأبيض تحت الحصار: طائرات مسيرة تعزل المدينة وتدمر شرايين الحياة الأساسية

تتعرض مدينة الأبيض السودانية، عاصمة ولاية شمال كردفان، لعمليات تدمير ممنهجة تهدد بإبادة أسباب الحياة فيها، حيث كشفت التقارير الأممية الأخيرة عن تصاعد مرعب في أعمال العنف التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية، وسط صمت مريب يحيط بهذه التجاوزات التي تحول حياة السكان إلى جحيم لا يطاق. وقد أصدرت الأمم المتحدة تحذيرات عاجلة يوم الاثنين الموافق 22 يونيو 2026، من أن وتيرة الهجمات المتلاحقة قد وضعت الآلاف من الأبرياء تحت خطر محدق، مع شلل تام أصاب الخدمات الأساسية الحيوية نتيجة استهداف مقصود ومباشر للمرافق العامة.
تؤكد المعطيات الميدانية أن المدينة شهدت خلال الأيام القليلة الماضية سلسلة من الهجمات الغاشمة بواسطة طائرات مسيرة، طالت مواقع حيوية في قلب العاصمة، مما أدى إلى خروج محطات الكهرباء الفرعية عن الخدمة وإحراق محطات الوقود، وهو ما تسبب في توقف فوري وقسري للعديد من المرافق الطبية والمستشفيات، تاركاً المرضى والمصابين بلا أي رعاية صحية في ظل ظروف إنسانية بالغة القسوة. إن استهداف المرافق الطبية ومحطات الطاقة ليس إلا محاولة واضحة لكسر إرادة المدنيين وإجبارهم على النزوح القسري، في مشهد يعيد للأذهان أكثر الفصول مأساوية في تاريخ النزاعات المسلحة.
لم تقف الاعتداءات عند حدود المناطق السكنية، بل امتدت لتطال شرايين المواصلات الاستراتيجية، حيث أفادت مصادر محلية موثوقة باستهداف جسرين رئيسيين يربطان بين شمال وجنوب كردفان، في مسعى واضح لعزل المناطق عن بعضها وقطع سبل الإمداد الإنساني واللوجستي. وعلى الرغم من تأكيدات الشركاء في المجال الإنساني بأن الحركة عبر هذا الممر لا تزال ممكنة بصعوبة بالغة، إلا أن الخطر يظل قائماً في ظل استمرار تحليق المسيرات التي لا تفرق بين هدف عسكري أو مدني.
إن هذه الانتهاكات ليست حالة معزولة في مدينة الأبيض فحسب، بل هي جزء من استراتيجية شاملة للهجمات بالطائرات المسيرة التي تضرب مناطق واسعة من السودان، بما فيها ولايتي شمال دارفور والنيل الأبيض، مخلفةً وراءها دماءً طاهرة لمدنيين أبرياء ودماراً واسع النطاق في البنية التحتية التي بنيت بجهد الشعب السوداني عبر سنوات طويلة. هذا التوسع في استخدام التكنولوجيا العسكرية ضد المدنيين يضع كافة الأطراف أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، ويفرض تساؤلات ملحة حول جدوى الصمت الدولي تجاه هذه الجرائم التي تُرتكب في وضح النهار.
وفي ظل هذا المشهد القاتم، تتجدد الدعوات الأممية لكل الأطراف المتصارعة للالتزام الصارم بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، التي تلزم بوجوب حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بشكل عاجل وآمن ودون أي عوائق. لكن الواقع الميداني يشي بعكس ذلك، حيث لا تزال العوائق تفرض، والمحتاجون يئنون تحت وطأة الحصار والفقر وانعدام الأمان في مناطق يغيب فيها أبسط مقومات الحياة.
وفي سياق متصل، تعيش ولاية غرب كردفان المجاورة واقعاً أكثر إيلاماً، حيث يتفشى وباء الكوليرا القاتل كالنار في الهشيم، نتيجة لانعدام الأمن وتفاقم أزمات النزوح القسري، وغياب الوصول إلى مياه الشرب الآمنة أو خدمات الصرف الصحي السليمة. وبينما تحاول الأمم المتحدة وشركاؤها تقديم الدعم وتوفير المستلزمات الطبية واللقاحات وإنشاء مراكز متخصصة لعلاج المرضى، تظل الجهود قاصرة أمام حجم الكارثة الإنسانية التي تستدعي تحركاً دولياً فورياً وشاملاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح الشعب السوداني الذي بات محاصراً بين نار النزاع ووباء المرض.
إن مدينة الأبيض اليوم تقف على شفا جرف هارٍ، وما يحدث فيها من تدمير ممنهج للبنية التحتية ليس إلا عنواناً لمرحلة جديدة وأشد خطورة في تاريخ السودان، تتطلب صوتاً قوياً وموقفاً حازماً لحماية ما تبقى من وطن، وضمان ألا تضيع حقوق المدنيين في دهاليز الصراعات السياسية والعسكرية التي لا تبقي ولا تذر.







