مقالات وآراء

ماهر المذيوب: الإعلام القطري ينتقل من سؤال الحرية إلى صناعة التأثير وتمكين الكفاءات الوطنية

أكد الإعلامي والبرلماني التونسي السابق ماهر المذيوب أن الإعلام القطري يقف أمام مرحلة تاريخية جديدة، عنوانها الانتقال من توسيع فضاءات الحرية والريادة الدولية إلى صناعة التأثير، وإنتاج المعرفة، وتمكين الكفاءات الوطنية، والمساهمة المباشرة في تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030.

جاء ذلك في مقال نشره المذيوب بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين لانطلاق البث الرسمي لإذاعة قطر في 25 يونيو 1968، حين صدح صوت الإعلامي القدير الدكتور حسن رشيد بالعبارة التي ظلت محفورة في الذاكرة الوطنية:

«هنا إذاعة قطر من الدوحة».

وأوضح المذيوب أن البدايات الأولى للبث الإذاعي في قطر تعود إلى «إذاعة الجامع الكبير»، التي كانت تبث تلاوات من القرآن الكريم وبعض الأخبار والمضامين الدينية خلال المناسبات وأيام الجمعة، وشكلت النواة الأولى التي مهدت لانطلاق إذاعة قطر الحديثة.

وأشار إلى أن إذاعة قطر لم تكن، منذ تأسيسها، مجرد وسيلة إعلامية تنقل الأخبار، بل كانت شريكاً أصيلاً في بناء الدولة الحديثة، ورافعة للتنمية الوطنية، ومنصة لترسيخ الهوية الثقافية والقيم المجتمعية، وتعزيز الانتماء والمواطنة والتماسك الاجتماعي.

وأضاف أن الإعلام القطري شهد، على امتداد ما يقارب ستة عقود، تحولات عميقة ومتسارعة، انتقل خلالها من مرحلة التأسيس الوطني إلى فضاء التأثير العربي والدولي، ومن الإعلام التقليدي إلى الإعلام متعدد المنصات، ومن مخاطبة الجمهور المحلي إلى التأثير في الرأي العام الإقليمي والدولي.

واعتبر أن تأسيس إذاعة قطر عام 1968، وتلفزيون قطر عام 1970، ووكالة الأنباء القطرية عام 1995 مثّل محطات أساسية في بناء المنظومة الإعلامية الوطنية ومواكبة مسيرة النهضة الشاملة التي شهدتها دولة قطر.

الجزيرة وسؤال الحرية

وأكد المذيوب أن عام 1996 شكل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الإعلام القطري والعربي مع إطلاق قناة الجزيرة، مشيراً إلى أن هذا الحدث تجاوز حدود إنشاء مؤسسة إعلامية جديدة، ليؤسس لمرحلة كاملة ارتبطت بسؤال الحرية.

وأوضح أن نموذجاً إعلامياً عربياً مختلفاً برز آنذاك، وجعل من التعددية وحرية التعبير و«الرأي والرأي الآخر» عنواناً لثلاثة عقود، وأسهم في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي العربي وترسيخ الحضور الدولي للإعلام القطري.

وقال إن عنوان المرحلة الماضية كان «توسيع فضاءات الحرية»، بينما يبدو عنوان المرحلة المقبلة أكثر ارتباطاً بسؤال: «كيف نصنع التأثير؟».

وأضاف أن قوة المؤسسات الإعلامية في العالم المعاصر لم تعد تقاس بعدد ساعات البث أو حجم الجمهور فقط، وإنما بقدرتها على تشكيل الرأي العام، وإنتاج المعرفة، وصناعة السرديات، وبناء الصورة الذهنية للدول، والتأثير في الاقتصاد والثقافة والسياسات العامة.

ولفت إلى أن الإعلام انتقل من السباق نحو نقل الخبر إلى السباق نحو تفسيره، ومن نقل الوقائع إلى صناعة المعنى والأثر.

دور المؤسسة القطرية للإعلام

وأشار المذيوب إلى الدور المحوري الذي تضطلع به المؤسسة القطرية للإعلام، بوصفها الحاضنة الوطنية لأبرز المنصات الإعلامية العمومية، والقاطرة الرئيسية لجهود التحديث والتطوير وتمكين الكفاءات الوطنية ومواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة.

وأكد أن المؤسسة ليست فقط حارسة للذاكرة الإعلامية الوطنية، بل تعد أيضاً من أبرز الفاعلين في صياغة ملامح المرحلة المقبلة، والانتقال من منطق الحضور الإعلامي إلى منطق صناعة التأثير.

وأوضح أن ذلك يتجلى في التحولات النوعية التي تشهدها مؤسساتها ومنصاتها المختلفة، ومن بينها تطوير المحتوى الإذاعي والتلفزيوني، وتعزيز الحضور الرقمي متعدد المنصات، وإطلاق قناة قطر الاقتصادية، بما يعكس تنامي أهمية الإعلام الاقتصادي والمعرفي.

كما أشار إلى مشروع الموسوعة الإعلامية القطرية، الهادف إلى توثيق الذاكرة الإعلامية الوطنية وحفظها للأجيال القادمة.

ورأى المذيوب أن هذه المبادرات تعكس وعياً متزايداً بأن مستقبل الإعلام لا يقاس فقط بقوة المنصات أو اتساع الجمهور، بل بقدرته على إنتاج المعرفة، وصناعة المحتوى النوعي، وتوثيق التجارب الوطنية، واستثمار التكنولوجيا الحديثة في خدمة المجتمع والدولة.

خمس ركائز لصناعة التأثير

وحدد المذيوب خمس ركائز أساسية لصناعة التأثير الإعلامي القطري خلال الفترة من 2026 إلى 2030:

  1. السردية الوطنية: صياغة رواية قطرية معاصرة للعالم، وتحويل الإنجازات في التنمية والتعليم والثقافة والرياضة والدبلوماسية إلى قصص نجاح ملهمة ذات بعد عالمي.
  2. المعرفة وإنتاج الأفكار: الانتقال من صناعة الأخبار إلى صناعة الأفكار والمعرفة، عبر مراكز الدراسات الإعلامية، ووحدات استشراف المستقبل، ومختبرات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات وقياس اتجاهات الرأي العام.
  3. التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى والترجمة والتحقق من الأخبار وتحليل البيانات وتخصيص الرسائل الإعلامية، بما يعزز الكفاءة والتأثير.
  4. تمكين الكفاءات الوطنية: إعداد جيل جديد من الإعلاميين القطريين وصناع المحتوى والخبراء والباحثين، القادرين على قيادة الإعلام الوطني في عصر التحولات الرقمية.
  5. القوة الناعمة القطرية: ربط الإعلام بالثقافة والتعليم والرياضة والدبلوماسية والاقتصاد، بما يعزز مكانة قطر مركزاً إقليمياً وعالمياً للحوار والإبداع والتأثير.

مسؤولية تاريخية جديدة

وأكد المذيوب أن التحدي الحقيقي خلال السنوات العشر المقبلة لن يقتصر على الحفاظ على المكتسبات، بل يتمثل في الانتقال إلى مرحلة يصبح فيها الإعلام شريكاً مباشراً في تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030، وبناء اقتصاد المعرفة وصناعة المستقبل.

واختتم مقاله بالتأكيد أن الفترة الممتدة بين 25 يونيو 1968 و25 يونيو 2026 تمثل رحلة استثنائية من العطاء والإنجاز؛ بدأت من استوديو إذاعي متواضع في الدوحة، ووصلت إلى واحدة من أكثر التجارب الإعلامية العربية حضوراً وتأثيراً في العالم.

وشدد على أن المرحلة المقبلة تضع الإعلام القطري عموماً، والمؤسسة القطرية للإعلام خصوصاً، أمام مسؤولية تاريخية جديدة، تتمثل في:

«الانتقال من إعلام يواكب الأحداث إلى إعلام يصنع الأثر، ومن الحضور في المشهد الإعلامي إلى المساهمة في تشكيله، ومن سؤال الحرية إلى صناعة التأثير».

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى