ذاكرة التاريخ

رموز مصرية.. عندما استنكر القضاة تعليمات زكي بدر «عاوزهم جثث.. اضرب في المليان» يحيى الرفاعي.. قاضٍ عاش مرفوع الرأس ولم يكتم الحق

كان الأستاذ محمود المراغي، رئيس تحرير جريدة «الأهالي»، قلقًا عندما تقدم اللواء زكي بدر، وزير الداخلية، والمستشار أحمد شوقي المليجي، رئيس محكمة النقض، ببلاغات إلى النيابة العامة ضدي، بتهم نشر أخبار كاذبة، وتهديد الأمن والسلم الاجتماعي، والوقيعة بين السلطات.

جاءت البلاغات عقب نشر «الأهالي» خبرًا رئيسيًا عن استنكار الجمعية العمومية لقضاة محكمة النقض تصريحات زكي بدر، وإصداره تعليمات لقوات الأمن بـ«الضرب في المليان».

ولتهدئة قلق المراغي، رتبت له، برفقة زميلي ثروت شلبي، لقاءً مع المستشار يحيى الرفاعي، رئيس نادي القضاة والنائب الأول لرئيس محكمة النقض. وكانت نصيحته واضحة: «مدحت يطلب شهادتي وشهادة القضاة الذين حضروا الجمعية العمومية».

رمز استقلال القضاء

عرفت المستشار يحيى الرفاعي عن قرب، وجمعتني به مواقف لا تُنسى. كان رمزًا كبيرًا لتيار استقلال القضاء، وشملته كل حركة تطهير أو تحجيم استهدفت تدجين القضاء في عهود جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، قبل أن تفيض روحه إلى بارئها قبل عهد عبد الفتاح السيسي.

ونُسبت إليه تسمية «الطريقة الرفاعية»، وصفًا لتصدره تيار استقلال القضاء. كما تولى رئاسة نادي القضاة لعدة دورات، وترأس مؤتمر العدالة الأول عام 1986، الذي جمع المعنيين بقضايا العدالة، وقدم توصيات ووثائق بالغة الأهمية في شؤون القضاء.

لم يخفض الرفاعي رأسه يومًا، ولم ينافق حاكمًا. وعندما طلبوا منه الاطلاع مسبقًا على كلمته في افتتاح مؤتمر العدالة، الذي حضره الرئيس حسني مبارك، رفض. كما رفض مطلبهم بعدم الحديث عن مطالب القضاة بإنهاء حالة الطوارئ.

واضطر مبارك إلى تمديد حالة الطوارئ قبل افتتاح المؤتمر بيوم، تفاديًا لحرج تمديدها رغم التوصيات المتوقعة للمؤتمر. ومع ذلك، خاطبه المستشار الرفاعي في كلمته الافتتاحية معاتبًا على تمديدها، قائلًا: «وكنا نتمنى ألا تفعل، أما وقد حدث، فيلزم أن تكون في أضيق نطاق، وألا تستخدم في غير الحالات الواردة، وألا تكون غطاءً لتعسف السلطات».

وعلى هامش أحداث تلك الفترة، أخبرني الرفاعي بأنهم حاولوا إغراءه بالتلويح له بمنصب وزير العدل، فأجابهم بأن رئيس محكمة النقض ونوابه لهم مكانة الوزير وأكثر، وأنه قانع بوضعه الوظيفي والأدبي رئيسًا لنادي القضاة، ويعتبر مكانته أفضل من أي منصب.

مذكرة القضاة ضد زكي بدر

أما موقفه المشهود معي، فكان بمناسبة تحقيقات أجرتها معي نيابة أمن الدولة، برئاسة المستشار عبد المجيد محمود، حول خبر مانشيت «الأهالي» الخاص بالجمعية العمومية لمحكمة النقض.

تضمن الخبر أن الجمعية بحثت مذكرة تقدم بها عدد من قضاة النقض، استنكروا فيها تدخل زكي بدر، وزير الداخلية آنذاك، في أعمال القضاء، من خلال تصريحاته العلنية وتوجيهاته إلى الجنود والضباط: «اضرب في المليان» و«عاوزهم جثث».

ووفقًا للمذكرة، جمع وزير الداخلية بين وظائف التحري والضبط والإحضار والتحقيق والقضاء، إلى جانب دور «عشماوي» منفذ أحكام الإعدام، ضاربًا بسلطة القضاء عرض الحائط ومتغولًا على اختصاصاته. ولم يكتفِ بذلك، بل كان يتباهى، بعد قتل الضحايا، بصلب جثثهم على صفحات الجرائد.

أحدث الخبر دويًا كبيرًا وقتها، فقد كانت مذكرة قضاة النقض قوية وشجاعة وموضوعية وبليغة.

ولم يستفز الخبر زكي بدر وحده، بل تعرض المستشار أحمد شوقي المليجي، رئيس محكمة النقض ورئيس جمعيتها العمومية بحكم منصبه، لضغوط دفعته إلى إصدار تكذيب للخبر. كما بدأ موسى صبري في جريدة «الأخبار» حملة واسعة تحت عنوان «أكاذيب الأهالي».

«سيشهدون بالحق ولن يكتموه»

استدعتني نيابة أمن الدولة للتحقيق في بلاغ رئيس القضاة. ورغم أن الخبر كان صحيحًا، عدت واستوضحت الأمر من المستشار يحيى الرفاعي، لما عرفته عنه من صدق ونزاهة وشجاعة.

نصحني الرفاعي بأن أطلب شهادته، بصفته نائب رئيس محكمة النقض ورئيس نادي القضاة، إلى جانب شهادة من حضروا الجمعية العمومية، مؤكدًا أنهم «سيشهدون بالحق ولن يكتموه». وهي النصيحة نفسها التي كررها أمام الأستاذ محمود المراغي.

وفي غرفة التحقيق، نبهني المستشار عبد المجيد محمود إلى ضرورة الاحتراس، لأن مقدم البلاغ هو رئيس محكمة النقض ورئيس الجمعية العمومية التي نقلت عنها الخبر، وهو نفسه من يكذبني.

وأراد المستشار عبد المجيد الاستيثاق من حيازتي للمذكرة، فقدم إليّ ورقة في حجمها نفسه، وسألني: «هل كانت في ورقة مثل هذه؟». فأجبته: «نعم».

وعاود السؤال: «وكيف تتسع هذه الورقة للمذكرة التي نشرتها وللتوقيعات؟». فأجبته بأن التوقيعات كُتبت على وجهي الورقة. وتأكيدًا لحيازتي لها، قلت إنها تبدأ بتوقيعات لنواب رئيس محكمة النقض، وكانت تضم 32 توقيعًا وقت انعقاد الجمعية، ثم زادت إلى 36 توقيعًا بانضمام أربعة مستشارين جدد لم تسمح ظروفهم بحضور الاجتماع.

وطلب المستشار تجاهل هذه الأقوال، باعتبارها تمثل وقيعة بين القضاة، لكنني تمسكت بها، وقلت إن التحقيق ملك للمتهم، فتركوها في المحضر.

وطلبت النيابة معرفة المصدر، فرفضت الإفصاح عنه، وقلت إن المصدر محمي بقوة القانون، ولولا تلك الحماية ما نشرت الصحافة شيئًا عن الفساد والاستبداد.

«بحثت» بدلًا من «أصدرت»

سألتني النيابة: كيف يستقيم الخبر مع ما نشرته من أن الجمعية العمومية أحالت المذكرة إلى المجلس الأعلى للقضاء؟

وكانت إجابتي أن ذلك يؤكد وجود المذكرة، وهو ما اعترف به رئيس محكمة النقض نفسه في حواره مع موسى صبري في جريدة «الأخبار»، المنشور تحت عنوان «أكاذيب الأهالي».

ودافعت عن الخبر بالقول إنني لم أكتب أن الجمعية العمومية لمحكمة النقض صدّقت على المذكرة، وإنما قلت إنها «بحثت مذكرة»، والإحالة إلى مجلس القضاء الأعلى أحد أشكال البحث. ومن ثم، فإن ما ذكره المستشار المليجي يؤكد صحة الخبر ولا ينفيه.

والحقيقة أنني واجهت مشكلة؛ لأن موعد انعقاد الجمعية العمومية لمحكمة النقض كان يوم الثلاثاء، وهو نفسه موعد طباعة «الأهالي»، فكيف يمكنني التأكد من تقديم المذكرة من الأصل؟

ولحل المشكلة، ذهبت إلى مكان انعقاد الجمعية العمومية، وكان الاجتماع لا يزال مستمرًا، وتأكدت من تقديم المذكرة بالفعل، لكنها أُحيلت إلى مجلس القضاء الأعلى.

ومن هناك، أسرعت إلى مؤسسة «الأهرام»، حيث كانت «الأهالي» تُطبع، واستبدلت كلمة واحدة فقط في بداية الخبر؛ فحذفت كلمة «أصدرت» ووضعت بدلًا منها «بحثت»، باعتبار أن الإحالة شكل من أشكال البحث.

وكان الأهم بالنسبة إليّ نشر المذكرة، أيًا كانت الصورة التي انتهت إليها، لقوتها وجرأتها وانحيازها إلى الحق والدستور.

الخبر يطمئن الرأي العام

وعن اتهامي بتكدير الأمن والسلم العام والوقيعة بين السلطات، أكدت أن الخبر، على العكس، يطمئن الرأي العام إلى وجود قضاء يرفض تغول وزير الداخلية على سلطاته، ويرفض العبث بحياة المواطنين وقتل الضحايا بسلطة القبضة الأمنية.

واستشهدت بحوادث كان يمكن أن تكدر السلم العام بسبب تعنت وزارة الداخلية، ومن بينها قضية ثلاثة متهمين بمحاولة قتل اللواء حسن أبو باشا، وزير الداخلية الأسبق.

كان المتهمون في طريقهم إلى حبل المشنقة، بعدما اعترفوا بالجريمة، وضُبط السلاح المستخدم في ترعة المنصورية وفق إرشاداتهم، وعُثر على بصماتهم فوق زجاجات «بيبسي» اشتروها من كشك مجاور لمنزل أبو باشا، خلال انتظارهم عودته لتنفيذ جريمتهم.

ولولا تدخل الأقدار، لأصبحوا جميعًا في خبر كان. فقد تعرض الأستاذ مكرم محمد أحمد، نقيب الصحفيين ورئيس تحرير مجلة «المصور» آنذاك، لمحاولة اغتيال أخرى.

وخلال حملة اعتقالات جماعية للمشتبه بهم في قرية الخرقانية، وتحت ضغط التعذيب، اعترف الفاعلون الحقيقيون لجريمة محاولة اغتيال أبو باشا، وأرشدوا عن جميع التفاصيل المتعلقة بملابساتها.

وتساءلت أمام النيابة: هل فرملة هذه التوجهات العدوانية للوزير من شأنها إشاعة الطمأنينة لدى الرأي العام أم ترويعه؟ وهل تحدث وقيعة بين السلطات أم تحفظ توازنها؟

قاضٍ لم يكتم شهادة الحق

طلبت من المستشار عبد المجيد محمود سماع شهادة قضاة محكمة النقض، من دون تحديد اسم بعينه. وبعد جلسة طويلة تمسكت خلالها بصحة الخبر وبطلب الشهود، تقرر حفظ التحقيق والإفراج عني من سرايا النيابة، ولهذا قصة سأعود إليها.

لكن المستشار يحيى الرفاعي، واستعداده لأداء شهادة الحق ولو كانت في مواجهة رئيسه، وتمسكه بمبادئ الدستور وصحيح القانون ورفضه العدوان على الحريات، شجعني على الثبات على موقفي.

كان الرفاعي من أكثر من عرفتهم تميزًا بقامته وهيبته، ومن أكثر الشخصيات التي أدركت معها أن هناك فارقًا كبيرًا بين المكان والمكانة.

فحتى عندما كانت الحكومة تنجح في إسقاطه في انتخابات رئاسة نادي القضاة، كان حضوره وحده كافيًا ليصمت الجميع وينهضوا وقوفًا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى