مقالات وآراء

بكير أتاجان يكتب: مستقبل الشرق الأوسط وتحولات النظام الدولي. قراءة في موقع إسرائيل ضمن العالم القادم

عند النظر إلى المسار الذي تتجه إليه منطقة الشرق الأوسط خلال العقد القادم، تبدو حقيقة أساسية آخذة في التبلور تدريجيًا: إسرائيل بعد عشر سنوات لن تكون إسرائيل التي نعرفها اليوم. هذه ليست مقولة إنشائية أو استنتاجًا عاطفيًا، بل تقدير يستند إلى مجموعة واسعة من المؤشرات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والاستراتيجية التي ترصدها مراكز الدراسات والأبحاث في مختلف أنحاء العالم.


فالتفوق التكنولوجي الذي شكل أحد أهم مصادر القوة الإسرائيلية لعقود طويلة لم يعد احتكارًا مطلقًا كما كان في السابق، بل بات يواجه منافسة متزايدة من قوى إقليمية ودولية صاعدة استطاعت خلال السنوات الأخيرة بناء قواعد علمية وصناعية وتكنولوجية مستقلة. وينطبق الأمر ذاته على التفوق الاقتصادي الذي كان يوفر لإسرائيل هامشًا واسعًا من النفوذ والتأثير في محيطها الإقليمي والدولي. فالمعادلات التي تسمح لها اليوم بفرض بعض الشروط أو تحقيق بعض المكاسب قد لا تبقى قائمة بالشكل نفسه خلال السنوات المقبلة.
غير أن التحول الأهم لا يتعلق بإسرائيل وحدها، بل بطبيعة النظام الدولي الذي قامت إسرائيل في ظله واستفادت منه منذ تأسيسها. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية تشكل نظام عالمي استند إلى التوازنات التي أفرزها مؤتمر يالطا، وأنتج منظومة سياسية وأمنية واقتصادية احتكرت فيها مجموعة محدودة من القوى الكبرى عملية صنع القرار العالمي وتوجيه مسارات السياسة والاقتصاد والأمن الدولي.
هذا النظام الذي وفر البيئة الاستراتيجية المناسبة لصعود إسرائيل وترسيخ موقعها الدولي يواجه اليوم أزمة بنيوية عميقة. فالمؤشرات المتراكمة خلال العقود الأخيرة تكشف أن الصيغة التي حكمت العالم بعد الحرب العالمية الثانية بلغت حدود قدرتها على الاستمرار، وأن أدوات الهيمنة التقليدية لم تعد قادرة على إدارة عالم يتغير بوتيرة متسارعة.


لقد أثبتت التجربة أن الأحادية الدولية، أو حتى الهيمنة التي كانت تمارس أحيانًا عبر المؤسسات الدولية وتحت غطاء القانون الدولي، لم تعد قادرة على احتواء التحولات الجديدة التي يشهدها العالم. فالقوى الصاعدة توسع نفوذها باستمرار، ومراكز الإنتاج والتكنولوجيا والمعرفة لم تعد حكرًا على مجموعة محددة من الدول، كما أن المصالح الدولية أصبحت أكثر تشابكًا وتعقيدًا من أي وقت مضى.
ومن هنا برزت الدعوات المتزايدة لإعادة هيكلة المؤسسات الدولية، بما يجعلها أكثر تمثيلًا للشعوب والدول، وأكثر عدالة في توزيع المسؤوليات والنفوذ، وأقل خضوعًا لاحتكار القرار من قبل القوى التقليدية، وخاصة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.


واللافت أن هذه الدعوات لم تعد مجرد نقاشات أكاديمية أو طروحات فكرية، بل تحولت إلى توجهات سياسية تتبناها دول كبرى وقوى صاعدة تمتلك وزنًا اقتصاديًا وعسكريًا واستراتيجيًا متناميًا. كما أن قوى رئيسية مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين بدأت هي الأخرى بإعادة تقييم سياساتها وتحالفاتها بما يتناسب مع التحولات القادمة، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن النظام الدولي يدخل مرحلة انتقالية جديدة.
وفي الشرق الأوسط تظهر انعكاسات هذه التحولات بصورة تدريجية ولكن واضحة. فهناك مؤشرات متزايدة على تراجع مشاريع التفتيت وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة المركزية باعتباره أداة أساسية للحفاظ على الاستقرار وإدارة التوازنات الإقليمية.
ومن الأمثلة التي يمكن قراءتها في هذا السياق التوجه نحو تسليم إدارة المعابر الحدودية بين سوريا وإقليم كردستان العراق إلى الحكومة المركزية في بغداد بدلًا من سلطات الإقليم. ورغم أن الحدث يبدو محدودًا في ظاهره، إلا أنه يحمل دلالات استراتيجية أوسع تتعلق بإعادة ترسيخ سلطة الدولة المركزية وتقليص مساحات الإدارة المستقلة التي نشأت خلال العقود الماضية.
كما يمكن قراءة بعض المؤشرات الأخرى ضمن السياق نفسه، ومنها الحديث المتزايد عن أدوار سورية محتملة في لبنان، بغض النظر عن المواقف المؤيدة أو الرافضة لهذه التوجهات. فالمهم هنا ليس الموقف من هذه السياسات، بل الدلالة التي تعكسها بشأن طبيعة التحولات الجارية في رؤية القوى الكبرى لشكل المنطقة ومستقبلها.
أما المؤشر الأكثر أهمية في نظر العديد من المراقبين فيتمثل في التطورات المتسارعة التي تشهدها العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. فبعد عقود طويلة اتسمت فيها العلاقة بدرجة عالية من التوافق الاستراتيجي، أصبحت الخلافات السياسية والإعلامية أكثر ظهورًا، وأصبحت السجالات المتبادلة والضغوط المتقابلة جزءًا متكررًا من المشهد السياسي بين الطرفين. ورغم استمرار التحالف الاستراتيجي بينهما، فإن طبيعة العلاقة نفسها لم تعد مطابقة لما كانت عليه في العقود السابقة.
وفي الوقت ذاته، تواصل قوى دولية وإقليمية صاعدة الدفع نحو نظام عالمي أكثر توازنًا وتعددية. فالصين وتركيا والبرازيل، إلى جانب عدد من الدول المؤثرة في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، باتت تطرح بصورة متزايدة ضرورة إعادة توزيع الأدوار الدولية بما يتناسب مع حقائق القرن الحادي والعشرين، لا مع التوازنات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي هذا السياق تكتسب التطورات السياسية الداخلية في بعض الدول أهمية إضافية. فترشيح حزب العدالة والتنمية للرئيس رجب طيب أردوغان كمرشح رسمي لانتخابات عام 2028 يمثل أحد المؤشرات التي تعكس استمرار الفاعلية السياسية التركية ورغبة أنقرة في مواصلة لعب دور إقليمي ودولي مؤثر خلال المرحلة المقبلة.


ومع كل أزمة دولية جديدة تتراجع قدرة النظام القائم على فرض رؤيته بصورة منفردة، بينما تتقدم القوى الصاعدة لملء مساحات جديدة من التأثير. وقد نجحت هذه القوى خلال السنوات الماضية في بناء أدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية مستقلة نسبيًا، الأمر الذي منحها قدرة أكبر على التأثير في مسارات الأحداث الدولية.


ومن هنا تبرز أهمية المواقف الصينية الأخيرة الداعية إلى إصلاح النظام الدولي، ليس فقط بسبب مضمونها السياسي، بل لأنها تصدر عن دولة أصبحت أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد العالمي، وشريكًا أساسيًا في معظم الملفات الدولية الكبرى، وقوة لا يمكن تجاوزها عند رسم مستقبل النظام العالمي.
إن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في إطار المنافسة التقليدية بين قوتين عظميين، بل يمثل انتقالًا تدريجيًا من مرحلة الهيمنة المنفردة إلى مرحلة التوازنات المتعددة. وقد لا يحدث هذا الانتقال بصورة مفاجئة أو حاسمة، لكنه يتحرك بوتيرة متسارعة تفرضها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والديموغرافية والجيوسياسية المتراكمة.
وبناءً على ذلك، فإن العديد من المشاريع السياسية والاستراتيجية التي تأسست على فرضية استمرار التفوق الأمريكي المطلق تجد نفسها أمام واقع جديد. وينطبق هذا بصورة خاصة على إسرائيل التي ارتبطت مكانتها الدولية إلى حد كبير بالبنية الاستراتيجية للنظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
فالعالم يتجه نحو إعادة توزيع مراكز القوة والنفوذ، ومع كل تحول جديد تتراجع المسلمات القديمة التي افترضت ثبات موازين القوى إلى الأبد. وفي منطقة الشرق الأوسط، التي تعاني أصلًا من حالة عدم استقرار ممتدة منذ أكثر من قرن، تبدو آثار هذه التحولات أكثر وضوحًا وتأثيرًا.


ويعلمنا التاريخ أن أي قوة، مهما بلغت من النفوذ أو الامتداد الجغرافي أو التفوق العسكري أو الأمني، ليست قدرًا أبديًا. فجميع الإمبراطوريات والقوى الكبرى التي اعتقدت أنها وصلت إلى مرحلة الديمومة واجهت في النهاية تحولات التاريخ وتغير موازين القوة.
وحين تتغير معطيات العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والوعي المجتمعي وقدرات الشعوب، تتغير معها تلقائيًا موازين النفوذ ومراكز التأثير. وعندها تصبح البنى السياسية التي تأسست على معادلات الماضي أقل قدرة على التكيف مع الواقع الجديد.
وقد تكرر هذا المشهد آلاف المرات عبر التاريخ بأشكال وصور مختلفة. فالبقاء لم يكن يومًا للأقوى عسكريًا فقط، بل للأكثر قدرة على التكيف وإعادة إنتاج نفسه بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة.
أما البنى الإنسانية والأخلاقية الحقيقية التي تقوم على خدمة الإنسان واحترام كرامته، فهي وحدها التي تمتلك القدرة على الاستمرار والتجدد عبر الزمن، لأنها تستند إلى حاجات إنسانية عميقة تتجاوز التحولات السياسية المؤقتة.


ومن هذا المنظور، فإن العالم يقف اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، مرحلة يعاد فيها تعريف القوة والنفوذ والشراكات الدولية، وتتقدم فيها قوى وفاعلون جدد، وتتشكل فيها قواعد مختلفة للعلاقات بين الدول والشعوب والأقاليم. وفي قلب هذه التحولات ستكون منطقة الشرق الأوسط إحدى الساحات الرئيسية لإعادة رسم التوازنات، بينما ستكون إسرائيل نفسها جزءًا من عملية التحول الكبرى التي تعيد تشكيل النظام الدولي بأسره.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى