جرائم مروعة ضد النساء في تندوف تطرق أبواب مجلس حقوق الإنسان

شهدت أروقة مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بجنيف نقاشات حادة ومطالبات دولية بفتح ملفات الانتهاكات الجسيمة التي تتعرض لها النساء داخل مخيمات تندوف، وذلك بالتزامن مع الجلسة التي خصصها المجلس يوم الأربعاء 24 يونيو 2026 لمناقشة أوضاع حقوق النساء حول العالم. ورغم التركيز العالمي على العنف الممارس في مناطق النزاع، تظل قضية النساء في تندوف نموذجاً صارخاً لغياب العدالة، حيث تتوالى الشهادات الحية لتكشف عن واقع يجمع بين القمع الممنهج والاستغلال الجسدي والجنسي في ظل حصانة مطلقة يتمتع بها قادة جبهة “البوليساريو”.
وتعد قضية السيدة الصحراوية خديجتو محمود، الحاملة للجنسية الإسبانية، واحدة من أبرز الملفات التي تلاحق قيادة الجبهة دولياً، إذ قدمت خديجتو شهادات موثقة عن تعرضها لانتهاكات جسدية وجنسية مباشرة على يد إبراهيم غالي، زعيم الجبهة، في وقائع تعود إلى سنة 2010. ورغم محاولات خديجتو المستمرة لملاحقته قضائياً، إلا أن المشهد يتكرر بذات النمط، حيث يواجه الضحايا جداراً من الصمت المطبق وتواطؤاً يحمي المعتدين من المساءلة، مما يجعل هؤلاء الضحايا يعيشون تحت وطأة إرهاب نفسي وجسدي دائم.
لا تقتصر المأساة على حالة فردية، بل تؤكد التقارير الأممية والمنظمات غير الحكومية، مثل “منظمة النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية”، أن المخيمات باتت مسرحاً لانتهاكات ممنهجة تتجاوز العنف الجنسي لتصل إلى ممارسات العبودية والرق التي لا تزال قائمة في تندوف. وتكشف المعطيات أن النساء والفتيات يُحرمن من أبسط حقوقهن الإنسانية، بما في ذلك الرعاية الصحية والمساعدات الغذائية، كأداة ضغط لتطويعهن، بالإضافة إلى فرض سياسات الإنجاب القسري والتدخل السافر في خصوصية المرأة وحقها في تقرير مستقبل أطفالها، مما يعمق حالتهن من الهشاشة والتبعية.
وعلى الرغم من عرض هذه الحقائق الصادمة أمام مجلس حقوق الإنسان في دورته الثانية والستين، إلا أن وصول هذه الملفات إلى منصات القضاء يواجه تعقيدات سياسية متعمدة. يرى حقوقيون أن الجبهة ومن يدعمها دبلوماسياً يمارسون لعبة “تسييس” واضحة لهذه الاتهامات، حيث يتم تصنيف كل ضحية تطالب بالعدالة كطرف معادٍ، بهدف طمس الوقائع والتغطية على الجرائم المرتكبة. وتبرز في هذا السياق “الحصانة المقنعة” التي توفرها الجزائر لزعيم الجبهة إبراهيم غالي، وهو ما تجلى بوضوح في واقعة عام 2021 التي عُرفت بقضية “محمد بن بطوش”، حين تم تأمين خروجه من إسبانيا دون خضوعه للقضاء، في مشهد أثار أزمة دبلوماسية واسعة آنذاك.
إن غياب آليات الرقابة والمحاسبة داخل المخيمات حول النساء إلى أرقام في تقارير دولية تفتقر للحلول الواقعية. ففي بيئة يسودها قانون الصمت، تُسلب الحرية الشخصية وتُصادر الحقوق الأساسية تحت مسميات “النضال”، بينما تُترك الضحايا لمواجهة مصيرهن وحيدات دون ضمانات قانونية. وتشدد المنظمات الحقوقية على أن استمرار الإفلات من العقاب ليس سوى تشجيع للمتورطين على التمادي في غيهم، مؤكدة أن تكرار هذه الشهادات أمام الأمم المتحدة يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقيته في حماية حقوق الإنسان.
تؤكد الشهادات المجمعة أن حالة النساء في تندوف لا تنفصل عن السياق العام للانتهاكات التي تفرضها القيادة، حيث تُستخدم الأجساد وسيلة للترهيب أو السيطرة، وتُسحق كرامة المرأة لتثبيت دعائم السلطة الغاشمة. إن معاناة هؤلاء النسوة اللواتي خرجن من جحيم المخيمات لتسجيل صرخة في جنيف، لا تزال تنتظر تحركاً دولياً جاداً يكسر طوق الحصانة، ويضع حداً لمسلسل الانتهاكات التي تظل حبيسة الأوراق بينما تتراكم مآسي الضحايا في صمت ينهش ما تبقى من إنسانية داخل تندوف.





