د. أيمن نور يكتب: السكة الحديد… كيف تستعيد مصر شبكتها التاريخية؟ مصر الممكنة 2030 (26) النقل في مصر الممكنة (3)

قليل من المصريين يدركون أن قصة السكك الحديدية في مصر ليست مجرد قصة وسيلة نقل، بل قصة دولة حديثة كانت يومًا من أوائل دول العالم التي عرفت هذا المرفق الحيوي. فحين انطلقت أولى خطوط السكك الحديدية المصرية في منتصف القرن التاسع عشر، كانت مصر تسبق دولًا كثيرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وكانت تمتلك مشروعًا طموحًا يربط أجزاء البلاد ويختصر المسافات ويعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع معًا.
لكن المفارقة المؤلمة أن المرفق الذي كان يومًا مصدر فخر وسبق تاريخي تحول تدريجيًا إلى أحد أكثر المرافق معاناة وإثارة للجدل.
خلال سنوات طويلة من العمل السياسي والبرلماني لم يكن هناك ملف خدمي يتكرر حضوره في شكاوى المواطنين كما كان يحدث مع السكك الحديدية. حوادث مؤلمة، وتأخيرات مزمنة، وتراجع في مستوى الخدمة، وقطارات متهالكة في بعض الخطوط، ومحطات لا تعكس مكانة هذا المرفق التاريخي.
ولم تكن المشكلة في نقص الإدراك لأهمية السكة الحديد.
فالجميع كان يدرك أهميتها.
لكن الفجوة كانت دائمًا بين الإدراك والتنفيذ.
من يراجع تاريخ النقل في مصر يكتشف أن السكة الحديد لم تكن مجرد وسيلة انتقال للمسافرين. كانت شريانًا اقتصاديًا متكاملًا. فمن خلالها انتقلت المحاصيل الزراعية، وتحركت البضائع، وارتبطت المدن بالقرى، وتكونت أسواق جديدة، ونشأت أنماط مختلفة من التنمية.
ولهذا فإن تراجعها لم يكن مجرد تراجع في قطاع النقل، بل كان له أثر مباشر على الاقتصاد والإنتاج والتوزيع والاستثمار.
طوال العقود الأخيرة اتجهت الدولة بصورة متزايدة نحو النقل البري والطرق السريعة. ولا شك أن تطوير شبكة الطرق كان ضرورة مهمة في كثير من المناطق. لكن هذا التوجه جاء أحيانًا على حساب الاستثمار الكافي في النقل الحديدي، رغم أن التجارب العالمية تؤكد أن الدول الكبرى لا تبني منظومات النقل الحديثة على الطرق وحدها.
فألمانيا لا تعتمد على الطرق فقط.
وفرنسا لا تعتمد على الطرق فقط.
واليابان والصين وإسبانيا لم تحقق ثوراتها في النقل عبر السيارات والشاحنات وحدها.
بل عبر شبكات سكك حديدية متطورة وسريعة وفعالة.
الصين تقدم مثالًا يستحق التأمل. فقبل عقود قليلة كانت تعاني مشكلات كبيرة في النقل بين أقاليمها الشاسعة. واليوم تمتلك أكبر شبكة للقطارات السريعة في العالم تقريبًا. ولم يكن الهدف مجرد نقل الركاب بسرعة، بل دعم النمو الاقتصادي وربط الأقاليم وتحفيز الاستثمار وتقليل الفوارق التنموية.
وما فعلته الصين بدرجة معينة فعلته دول أخرى بوسائل مختلفة.
فالدرس المشترك هو أن السكك الحديدية ليست عبئًا على التنمية، بل أحد أهم أدواتها.
في مصر ما زالت شبكة السكك الحديدية تمتلك مقومات هائلة رغم كل ما مرت به. الامتداد الجغرافي قائم. والخبرة البشرية متراكمة. والموقع الاستراتيجي للبلاد يمنحها فرصة لأن تصبح مركزًا إقليميًا مهمًا لحركة البضائع والركاب.
لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى رؤية تتجاوز منطق الصيانة الطارئة أو الحلول الجزئية.
من الإنصاف القول إن السنوات الأخيرة شهدت استثمارات كبيرة في تطوير أجزاء من الشبكة وتحديث بعض الجرارات والعربات ونظم الإشارات. وهذه خطوات مهمة لا يمكن إنكارها. لكن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحًا هو: هل تكفي هذه الجهود وحدها لإعادة بناء المرفق على أسس جديدة؟
في تقديري أن الإجابة لا تزال تحتاج إلى كثير من العمل.
أحد التحديات الرئيسية يتمثل في العلاقة بين التكلفة والعائد. فمشروعات التطوير الحديثة تحتاج إلى تمويل ضخم، وكثير منها تم عبر الاقتراض أو التعاقدات الخارجية. وهنا يصبح من حق المجتمع أن يناقش ليس فقط حجم الإنفاق، بل أيضًا كيفية تحقيق أفضل عائد اقتصادي واجتماعي منه.
فالقضية ليست شراء قطارات أحدث فقط.
بل بناء منظومة أكثر كفاءة واستدامة.
كما أن التحدي لا يتعلق بالركاب وحدهم. وربما تكون هذه واحدة من أكثر النقاط التي أرى أنها لم تحظ بالاهتمام الكافي. ففي معظم الاقتصادات الكبرى تلعب السكك الحديدية دورًا محوريًا في نقل البضائع. أما في مصر فما زال الاعتماد الأكبر يقع على الشاحنات والطرق البرية.
والنتيجة معروفة.
تكاليف نقل أعلى.
استهلاك وقود أكبر.
ضغط مستمر على الطرق.
وحوادث أكثر.
نقل جزء أكبر من حركة البضائع إلى السكك الحديدية يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية ضخمة. فهو يخفض تكلفة النقل، ويقلل الضغط على شبكة الطرق، ويخفض الانبعاثات البيئية، ويزيد من كفاءة سلاسل التوريد.
ولهذا فإن مستقبل السكك الحديدية يجب أن يُبنى على ركيزتين لا على ركيزة واحدة: نقل الركاب ونقل البضائع معًا.
ومن واقع متابعتي لملفات التنمية الإقليمية أرى أن الصعيد يمثل نموذجًا واضحًا لأهمية هذا التوجه. فالكثير من فرص الاستثمار والتنمية الصناعية والزراعية في محافظات الصعيد ترتبط مباشرة بوجود شبكات نقل فعالة ومنخفضة التكلفة.
ولا توجد وسيلة أكثر قدرة على تحقيق ذلك على المدى الطويل من السكك الحديدية.
كما أن مصر تحتاج إلى إعادة النظر في العلاقة بين السكك الحديدية والموانئ البحرية والمناطق اللوجستية. فالدول الناجحة لا تتعامل مع هذه المرافق بصورة منفصلة، بل تربطها داخل شبكة واحدة. الميناء يرتبط بالسكة الحديد. والسكة الحديد ترتبط بالمناطق الصناعية. والمناطق الصناعية ترتبط بالأسواق المحلية والخارجية.
وهكذا تتكون منظومة اقتصادية متكاملة.
ومن بين المقترحات التي أراها ضرورية إنشاء هيئة مستقلة للتخطيط الاستراتيجي للنقل الحديدي، تكون مهمتها النظر إلى احتياجات مصر حتى عام 2050 لا إلى احتياجات السنوات القليلة المقبلة فقط.
فالمشروعات التي تُبنى اليوم ستبقى لعقود طويلة، وأي خطأ في التخطيط سيدفع ثمنه أكثر من جيل.
كما أقترح إعطاء أولوية خاصة للربط بين المحافظات المتوسطة والصغيرة التي تعاني ضعف الخدمات النقلية. فالتنمية لا تتحقق فقط عبر ربط العاصمة بالمدن الكبرى، بل أيضًا عبر ربط المدن الصغيرة بمراكز الإنتاج والاستثمار والتعليم والخدمات.
وهنا تظهر الوظيفة الاجتماعية والتنموية الحقيقية للسكك الحديدية.
قضية أخرى لا تقل أهمية تتعلق بالتسعير والخدمة. فمن حق المواطن أن يحصل على وسيلة نقل آمنة ومنتظمة وبسعر معقول. ومن حق الدولة أيضًا أن تبحث عن الاستدامة المالية للمرفق. والتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين هذين الهدفين دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
مصر الممكنة التي نتطلع إليها لا تحتاج فقط إلى قطارات أحدث أو محطات أجمل، بل تحتاج إلى فلسفة جديدة للنقل الحديدي. فلسفة ترى في السكة الحديد مشروعًا للتنمية الوطنية لا مجرد مرفق خدمي.
فحين ترتبط السكك الحديدية بالاقتصاد والإنتاج والاستثمار والعدالة الإقليمية، تصبح أكثر من وسيلة نقل.
تصبح أداة لبناء الدولة نفسها.
ولعل أعظم ما يمكن أن نفعله لهذا المرفق العريق هو أن نعيد إليه دوره الذي عرفه في أفضل سنواته: أن يكون الرابط بين أطراف الوطن، والمحرك الهادئ للتنمية، والشريان الذي يحمل الناس والبضائع والأمل من مكان إلى آخر.
الحلقة القادمة:
النقل الذكي، من الزحام إلى الإدارة







