مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: سراب في صحراء السياسة

لماذا تعثر البحث عن الديمقراطية العربية؟
في مكتبتي الخاصة، احتفظ بنسخة قديمة من كتاب “الديمقراطية في أمريكا” لألكسيس دو توكفيل.

في كل مرة أتصفحه، لا يسعني إلا أن أتساءل بعد كل هذه العقود من الكتابة والتنظير والوعود، لماذا لا يزال البحث عن نموذج عربي للحكم الديمقراطي أشبه بمن يطارد سرابًا في صحراء شاسعة؟

إنها ليست مجرد أزمة أنظمة حكم، بل أزمة فكرة، وأزمة ضمير جيلي.

نحن لا نتحدث هنا عن دولة بعينها، كي لا ندخل في متاهة “الاستثناء” الذي يبرر القاعدة.

بل نتحدث عن ظاهرة تكاد تكون كونية في منطقتنا ديمقراطية بلا ديمقراطيين، أو بتعبير أدق، أنظمة بلا تداول حقيقي للسلطة، ترتدي عباءة المؤسسات فيما جسدها عارٍ من جوهرها.

لدينا برلمانات، لكنها غالبًا مجرد ديكور لشرعنة قرارات اتخذت مسبقًا.

لدينا انتخابات، لكنها في كثير من الأحيان مسرحيات تتراوح بين العبث والكوميديا السوداء، تُعرف نتائجها قبل أن يُدلى بصوت واحد.

لدينا دساتير، لكنها تُعدل على مقاس الحكام لتمديد الولايات، وتحويل الرئاسة إلى ملكية جمهورية.

كصحفي، تعلمت ألا أنظر لما تقوله الشعارات، بل لما تفعله المؤسسات.

وفي عالمنا العربي، المؤسسة الوحيدة التي أثبتت كفاءة مرعبة هي “الدولة العميقة”، أو “الدولة الأمنية”، التي تلتهم أي برعم للمجتمع المدني أو إعلام مستقل أو معارضة حقيقية.

إنها آلة محكمة لتدجين العام وتحويل المواطن إلى مجرد متلقي خائف، يبحث عن لقمة عيشه في اقتصاد ريعي تسيطر عليه شبكات فساد لا تُمس، مقابل صمته ورضوخه.

والأقسى من ذلك، هو التبرير المزدوج الذي يسوق لنا كل صباح: “نحن لسنا جاهزين للديمقراطية”.

إنها جملة ظالمة في اتجاهين ظالمة للشعوب التي تُوصم بالقصور العقلي المزمن عن إدارة شؤونها، وظالمة لمفهوم الديمقراطية الذي يُختزل في فزاعة الصندوق الانتخابي فقط، متناسين أنها ثقافة، وتعليم، وفصل بين السلطات، واستقلال للقضاء، وصحافة حرة.

إنهم يريدون ديمقراطية لا تفرز نخبة غيرهم، وهذا هو التناقض القاتل.

والسؤال الشخصي الذي يطاردني ليلاً: أليس العجز الاقتصادي، والتطرف، والتفكك الاجتماعي الذي نعيشه هو نتيجة غياب المساءلة والمشاركة السياسية، لا العكس؟

ألم نرى تجارب دولية، في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، نجحت في بناء اقتصاداتها فقط بعدما قطعت شوطًا في بناء مؤسسات شفافة وخاضعة للمحاسبة؟

اليوم، ونحن نرى جيلاً كاملاً من الشباب العربي يختار الهجرة، ليس فقط بحثًا عن وظيفة، بل عن “حياة” تليق بآدميته، حيث يحترم صوته ولا يُهان عقله، ندرك أن فاتورة غياب الديمقراطية أصبحت باهظة وجوديًا.

نحن لا نصدّر النفط والغاز فقط، بل نصدّر أحلام أبنائنا إلى بلدان بنت مجدها على فكرة بسيطة حكم الشعب، بالشعب، وللشعب.

إن التغيير الحتمي لا يأتي بالضرورة من ثورات عنيفة، فالتجربة علّمتنا أن الثورة قد يأكلها أبناؤها أو يختطفها وحش أمني أعتى.

التغيير الحقيقي سيبدأ عندما تتصالح النخب العربية مع فكرة التداول السلمي للسلطة، ليس كمنحة أو هبة، بل كضرورة للبقاء في عالم لم يعد يحتمل حفريات التاريخ.

إنها ليست معركة الغد، بل معركة البقاء اليوم.

وإلى أن يحين ذلك الحين، سأبقى أحتفظ بنسختي المتربة من كتاب توكفيل، شاهدة على حلم مؤجل، في أرض يضيع فيها الفرق بين الحاكم والوطن.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى